اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
في الرابع من تشرين الأول عام 2026، أعلنت وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، استناداً إلى بيانات وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، تقدّم الأردن إلى المرتبة الستين عالمياً والخامسة عربياً في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، إحدى وكالات الأمم المتحدة المتخصصة. وجاء الإعلان حاملاً رقماً أكثر إثارة: الأردن يحتل المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر المقالات العلمية والتقنية. وبينما تقدّم خمس مراتب في عام واحد، ارتفع ترتيبه 26 مرتبة منذ عام 2019، حين كان في المركز السادس والثمانين. إنه تقدّم يستحق التقدير، لكن قراءته الصحيحة تبدأ من التمييز بين إنجاز محدد في الإنتاج العلمي وبين الموقع العام للدولة في منظومة الابتكار. فالأردن ليس الأول عالمياً في الابتكار، وإنما الأول في أحد مؤشراته الفرعية، بينما لا يزال في المرتبة الستين في التصنيف العام الذي يشمل 139 اقتصاداً.
هذا التمييز لا يقلل من الإنجاز، بل يضعه في سياقه الصحيح. فمؤشر الابتكار العالمي، الذي يعتمد نحو ثمانين مؤشراً، لا يقيس عدد الأبحاث وحده، وإنما ينظر إلى منظومة متكاملة تشمل المؤسسات والتعليم والبنية التحتية والبحث والتطوير ومخرجات التكنولوجيا والاقتصاد. أما المقالات العلمية والتقنية، فهي حصيلة جهد بحثي منظم يسعى إلى تفسير الظواهر واختبار الفرضيات وتطوير الحلول وإضافة نتائج جديدة إلى رصيد العلم. ومن هذا التراكم تنشأ اكتشافات في الطب والهندسة والطاقة والزراعة والاتصالات، وتُبنى التقنيات التي تغيّر حياة المجتمعات وتعيد تشكيل الاقتصادات. لذلك، فإن تصدّر الأردن هذا المؤشر، وفق المقياس المعتمد نسبةً إلى حجم اقتصاده، يكشف عن قدرة علمية وبحثية تستحق الاستثمار، لكنه لا يثبت وحده جودة جميع الأبحاث أو أثرها الاقتصادي أو قدرتها على التحول إلى منتجات.
**هنا تبدأ المفارقة الأردنية: لدينا ما يستحق البناء عليه، لكن السؤال هو إلى أي مدى نحسن البناء عليه.** فالمقالة العلمية ليست اختراعاً بالضرورة، والاختراع لا يتحول تلقائياً إلى منتج، والمنتج لا يصبح صناعة من دون تمويل وشركات وأسواق وقدرة على المنافسة. وبين البحث والمردود الاقتصادي سلسلة من الحلقات التي لا بد أن تعمل معاً. وإذا انقطعت الصلة بين الجامعة والصناعة، أو غاب التمويل عن الباحث، أو لم يجد صاحب الفكرة مستثمراً يغامر بتطويرها، فإن جزءاً من الجهد العلمي يظل بعيداً عن الاقتصاد، مهما ارتفع عدد المنشورات.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على الاحتفال بالترتيب: لماذا لا ينعكس التفوق العلمي الأردني بصورة أقوى على الإنتاجية والصادرات والتكنولوجيا وفرص العمل عالية المهارة؟ وكيف استطاع الأردن أن يبني قاعدة من الباحثين والأطباء والمهندسين والمتخصصين، بينما لا تزال قدرته على تحويل هذه الطاقات إلى شركات وصناعات تنافسية بحاجة إلى تطوير؟ المسألة ليست اتهاماً للباحثين بالتقصير، فهم ينتجون ضمن مؤسسات وحوافز وإمكانات محددة؛ إنها مساءلة للمنظومة التي يفترض أن تستثمر جهودهم وتمنحها طريقاً إلى التطبيق.
الدولة هي الطرف الأول الذي ينبغي أن يجيب. فالتعليم العالي والبحث العلمي ليسا مجرد نفقات على مؤسسات أكاديمية، بل استثمار في قدرة البلد على حل مشكلاته وتطوير اقتصاده. ولا يكفي أن تموّل الدولة الجامعات، ثم تحتفي بأعداد الخريجين والأبحاث المنشورة، من دون أن تسأل عن العائد الأوسع لهذا الاستثمار. أين السياسات التي تربط البحث العلمي بأولويات الأردن في المياه والطاقة والصحة والزراعة والصناعة؟ وأين أدوات التمويل التي تنقل الأبحاث الواعدة إلى مرحلة التطوير؟ وأين الحوافز التي تشجع الشركات على الاستثمار في البحث والتطوير بدلاً من الاكتفاء بشراء التكنولوجيا الجاهزة؟ وأين البرنامج الذي يجعل الكفاءات الأردنية في الخارج قادرة على المشاركة في بناء مشاريع داخل بلدها؟
هذه أسئلة تتصل مباشرة بمسؤولية الحكومة عن الاقتصاد، لا بملف التعليم وحده. فالدولة التي تعرف محدودية مواردها الطبيعية ينبغي أن تتعامل مع الكفاءات باعتبارها أصلاً استراتيجياً، وأن تقيس نجاح سياساتها بما تحققه من إنتاجية وفرص عمل وصادرات وقدرة تنافسية، لا بتحسن ترتيب واحد فحسب. وإذا كانت رؤية التحديث الاقتصادي قد وضعت هدف الوصول إلى المرتبة الثالثة والستين في مؤشر الابتكار العالمي بحلول عام 2033، فإن وصول الأردن إلى المرتبة الستين في عام 2026 يعني تجاوز ذلك المستهدف قبل موعده بسبع سنوات. وهذه نتيجة إيجابية، لكنها تطرح مسؤولية جديدة: كيف نحافظ على التقدم ونحوّله من تحسن في المؤشر إلى تحول ملموس في بنية الاقتصاد؟
والجامعات مطالبة بمراجعة معايير نجاحها بالجدية نفسها. لا يجوز اختزال قيمة الجامعة في عدد خريجيها أو أبحاثها، كما لا يجوز اختزال البحث العلمي في قدرته على تحقيق ربح سريع. فالبحث الأساسي ضرورة، وقيمة كثير من الاكتشافات لا تظهر إلا بعد سنوات. لكن ذلك لا يعفي الجامعات من تطوير مسارات للبحث التطبيقي، وبناء شراكات مع القطاعات الإنتاجية، وتسهيل حماية الملكية الفكرية، ومساعدة الباحثين على تأسيس شركات عندما تسمح طبيعة أبحاثهم بذلك. كما ينبغي أن تتسع معايير التقييم الأكاديمي لتشمل جودة البحث وأثره، والتعاون العلمي والصناعي، والابتكارات التي تصل إلى التطبيق، من دون التضحية بحرية البحث أو تحويل الأستاذ الجامعي إلى موظف تجاري.
أما القطاع الخاص، فلا يستطيع أن يظل متلقياً لنتائج التعليم ثم يشتكي من نقص المهارات وضعف الإنتاجية. فالشركات الكبرى والبنوك وقطاعات الاتصالات والطاقة والصحة والصناعة تملك مشكلات تحتاج إلى حلول، وتملك في الوقت نفسه القدرة على تمويل تطوير هذه الحلول واختبارها وشراء ما يثبت نجاحه. المطلوب شراكة حقيقية، تبدأ بتحديد احتياجات السوق، وتمر بتمويل الأبحاث المناسبة، وتنتهي بمنتجات وخدمات قادرة على المنافسة. ويمكن للحكومة أن تدعم هذه الدورة بأن تصبح مشترياً أول للحلول الأردنية في مجالات مثل المياه والصحة والطاقة والخدمات الرقمية، وفق معايير صارمة للجودة والكفاءة، فتمنح الشركات الناشئة فرصة لإثبات قدراتها قبل التوسع في الأسواق الإقليمية.
ولتحويل هذا الكلام إلى برنامج قابل للتنفيذ، يحتاج الأردن إلى صندوق وطني لتمويل انتقال الأبحاث الواعدة من المختبر إلى السوق، بمشاركة الدولة والقطاع الخاص، وإلى شراكات محددة الأهداف بين الجامعات والشركات، وإلى برنامج لاستقطاب الكفاءات الأردنية في الخارج عبر فرص بحثية ومهنية وتمويل حقيقي. ويجب أن تقترن هذه الإجراءات بأهداف معلنة لخمس سنوات، تشمل نمو الاستثمار الخاص في البحث والتطوير، وعدد الشركات التقنية التي تستمر وتتوسع، وقيمة الصادرات التكنولوجية، والوظائف عالية المهارة التي تُخلق، وحجم ما يصل من الأبحاث إلى التطبيق. ثم تُنشر النتائج سنوياً، وتُحدد الجهات المسؤولة عن الإنجاز أو الإخفاق. فالمشكلة لا تكمن في نقص الشعارات، بل في غياب الربط الصارم بين الأهداف والمسؤوليات والنتائج.
إن المركز الأول في المقالات العلمية لا يعني أن الأردن بلغ قمة الابتكار، لكنه يعني أن لديه نقطة قوة يمكن أن يبني عليها. والمرتبة الستون في المؤشر العام لا تمحو هذا الإنجاز، بل تذكّر بأن التفوق في جانب واحد لا يغني عن تطوير بقية المنظومة. بين الرقمين تقع المهمة الوطنية: أن تتحول القدرات البحثية إلى قدرة إنتاجية، وأن يجد الباحث مساراً إلى التطبيق، وأن تجد الشركة المحلية ما تحتاج إليه كي تنافس، وأن يصبح الاستثمار في الإنسان رافعة للاقتصاد لا مجرد مرحلة تسبق هجرته.
لقد أثبت الأردن أنه قادر على إنتاج حضور علمي لافت قياساً إلى حجم اقتصاده، وهذه ميزة ينبغي حمايتها وتطويرها. لكن المسؤولية الآن تقع على الدولة والجامعات والقطاع الخاص كي لا يبقى الإنجاز محصوراً في جداول التصنيف. فالدولة مسؤولة عن البيئة والتمويل والسياسات، والجامعات مسؤولة عن جودة البحث وتأهيل الكفاءات وفتح الطريق أمام التطبيق، والقطاع الخاص مسؤول عن الاستثمار وتحويل الحلول إلى منتجات وأسواق.
**الأردن الأول عالمياً في مؤشر المقالات العلمية والتقنية، لكنه في المرتبة الستين في الابتكار العام. وبين المرتبتين سؤال لا يجوز أن يضيع وسط الاحتفالات: متى ننتقل من إنتاج الأبحاث إلى بناء اقتصاد يستثمر فيها، ويحوّلها إلى شركات وصناعات وصادرات وفرص عمل؟** عندها فقط يصبح هذا الإنجاز بداية تحول اقتصادي حقيقي، لا مجرد خبر سار في تقرير دولي.












































