اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
حين يعلو صوت الحماسة
النائب أروى الحجايا
حين يعلو صوت الحماسة، وتتقد المشاعر كجذوةٍ في ليلٍ مضطرب، يخرج من بين الصفوف من يقول: 'نرمي بأجسادنا نحتمي بها لننال الشهادة ، وهنا لا يسع القلب إلا أن يحزن، ولا يسع العقل إلا أن يتساءل: أبهذا تُصان الأوطان؟ أبهذا تُحفظ الأرواح التي جعلها الله أمانة في أعناقنا؟
إن الجسد الذي نحمله ليس متاعًا نملكه، ولا ورقةً نلقي بها على طاولة الحماسة حين تشتدّ اللحظة، بل هو وديعةٌ من الله، نعيش بها، ونحيا من خلالها، حتى يحين موعد تسليمها لمن أودعها بين أيدينا.
فليس الإنسان مالكًا لروحه، ولا سيدًا على جسده يفعل به ما يشاء، بل هو عبدٌ لله، مستخلفٌ في هذه الحياة، مأمورٌ بالحفاظ على نفسه كما هو مأمورٌ بالدفاع عن دينه وأرضه.
ولذلك جاء النداء القرآني واضحًا، لا لبس فيه ولا غموض: 'ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا' نداءٌ يفيض رحمة، ويؤكد أن النفس ليست ساحةً لتجارب الحماسة، ولا ميدانًا لإثبات العاطفة المجردة.
فالشهادة ليست قرارًا فرديًا يتخذه الإنسان حين يشتد الغضب، وليست قفزةً عاطفية نحو الموت، بل هي منزلة عظيمة، لا تُنال إلا حين يكون القتال مشروعًا، وتكون القيادة الشرعية قائمة، ويكون الدفاع منظمًا، لا فوضى فيه ولا اندفاع أعمى. فالذي يأمر بالجهاد المنظم، ويحدد مواضع المواجهة، هو صاحب الولاية الشرعية، الذي يقدّر المصالح والمفاسد، ويوازن بين حماية الأرواح وصيانة الأوطان.
فإن قاتل الإنسان حينها، وقُتل في موضعه، فلا إثم عليه بل هو شهيد بإذن الله ،أما أن يتحول الجسد إلى درعٍ عشوائي،
تحت ضغط الحماسة، أو في غياب التقدير العسكري والعقلاني، فذلك ليس من الحكمة، ولا من الدين، ولا من الفقه في شيء. إن الوطن لا يحتاج إلى أجساد تُلقى، بل يحتاج إلى عقول تُفكّر، وإلى قلوب تثبت، وإلى إرادةٍ تعرف أن الحياة نفسها.
قد تكون أحيانًا أسمى صور التضحية فكم من حيٍّ صابرٍ، حفظ وطنًا بكلمة، أو بعمل، أو ببناءٍ طويل النفس، أعظم أثرًا من اندفاعٍ ينتهي في لحظة.
إن الشهادة مقامٌ عظيم، لكن الحفاظ على الأمانة عظيم أيضًا، والثبات في مواقع العمل، والقيام بالمسؤولية، والحفاظ على الأرواح، كلها صورٌ من الجهاد الذي لا يقل شأنًا، ولا يقل أجرًا فلنحذر من أن نُلبس العاطفة ثوب الحكمة، أو نُسمّي الاندفاع شجاعة، فالشجاعة الحقيقية هي أن نُبقي العقل حاضرًا، حتى في أكثر اللحظات احتدامًا.
فالوطن لا يحتاج إلى موتنا فقط، بل يحتاج قبل ذلك إلى حياتنا الواعية التي تحميه، وتبنيه، وتُبقي رايته مرفوعة.












































