اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٣ أذار ٢٠٢٦
كَتَبْتُ على منصة إكس توصيفاً للحرب بأنها فوق كونها بالعموم سلوكاً إجرامياً، هي تحديداً تلك الدائر رحاها في منطقتنا الإقليمية، محملة بالكثير من الغباء وقصر النظر من حيث تحولها من حرب بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، وهي حرب كان ينظر لها على أنه حرب مقاوَمة شجاعة تحول بسببها الموقف تجاه إيران في اقتراب كبير من رأب الصدع بينها والمنطقة العربية، إلى حرب أشركت فيها إيران دول الخليج دون داع أو نتيجة، سقوطاً في الفخ الأمريكي/الإسرائيلي الرام لإشعال النار بين ضفتي الخليج، ليعود الصدع للاتساع، ولتعود العلاقات ومعها أمن واستقرار المنطقة سنوات للوراء.
حين كتبت أصف هذه الخطوة بالغباء، انقسم رد الفعل الغاضب في توصيف مخفف لرد الفعل الذي وصلني في الواقع، إلى نصفين؛ نصف يرى في توصيفي بكلمة غباء للهجوم الإيراني توصيفاً ملَطَّفاً مدفوعاً بعرقية أو طائفية تجعلني أخفف من التوصيف، ونصف يرى في توصيفي تحاملاً على إيران مدفوعاً بوطنية وخليجية تجعلني أوجه اتهامات لإيران بغضب غير متزن أو محكوم بمنطقية الأمور. واقع الأمر أن كل ما أراه في هذه الحرب هو جنون، جنون بدأته إسرائيل وطورته أمريكا ووقعت في فخ توسعه إيران، تلك التي تضرب قريباً وبعيداً بدءاً من دول الخليج وأذربيجان ووصولاً إلى تركيا وقبرص، في توسع فاحش الخطورة، ليبقى المستفيد الوحيد من كل هذا الجنون هو إسرائيل.
بالتأكيد، لا يمكن أن ننسى أو نغفل عن تحركات إيران في المنطقة، وأنها في الواقع حاربت إسرائيل وأمريكا حفاظاً على نظامها السياسي على أراض عربية باستخدام أحزاب وميليشيات ولربما حتى مرتزقة حرقوا الداخل السوري والعراقي على سبيل المثال لا الحصر، وكلفوا أرواحاً وزعزعوا أماناً واستقراراً لا يمكن تخطيهم في أي وقت قريب. كما ولا يمكن أن نتناسى كيف أن الكثير من القرارات والخطوات العربية السابقة هي ما أوصلتنا إلى هنا، وأننا كدول عربية وإقليمية نتحمل أجزاء من المسؤولية. نعم، هناك وجود عسكري أمريكي في المنطقة، وجود لطالما كلفنا مادياً ومعنوياً ولا يزال يتسبب في تعريض أراضينا لمخاطر، عوضاً عن أن يكون درعاً لنا، إلا أن إيران والعالم يدركان أن وجود هذه القواعد هو اضطرار لا خيار، وأن تجربة الكويت مع الغزو العراقي تحديداً، وضعف التحرك العربي والإقليمي في ذلك الوقت لمد يد المساعدة، ترك أقل القليل للكويت ولدول الخليج في مجال اختيار وجود عسكري خارجي مساند. لا أحد يتمنى وجوداً عسكرياً خارجياً على أرضه، ولا أحد يترجى تحالفاً مع البعيد وصراعاً ومعركة مع الجار القريب، إلا أنه وكما الكثير من هذه النتائج بنيت على إثر قرارات مرتبكة، بني الكثير منها كذلك على إثر قرارات فرضها ظرف وموازين قوى ما كان يمكن مقاومتها.
أما ما جمع كل الأطراف المعلِّقة أعلاه احتجاجاً واستياء فهو ما ورد في تغريدتي من أن حرب كهذه شنتها إيران على أراض دول الخليج لن تحطم الجسور بين الجيران وتقطع طرق وصل اجتماعية وثقافية وشعبية ولو عادت سياسياً بعد زمن فقط، ولكن إيران من خلال هكذا حرب قد «غامرت بمستقبل (مواطنيها) في هذه الدول، بل وباستقرار الشيعة و»العجم» عموماً فيها». احتج الكثيرون على مباشرة كهذه في القول؛ فمن جهة، نفى البعض وجود أي علاقة بين استقرار الشيعة والعجم في دول الخليج أو أي ربط بينهم وبين إيران، حيث لفظة «عجم» تطلق على الخليجيين من أصول فارسية، الذين قدموا للخليج منذ ثلاثمئة سنة وتزيد مثلهم في ذلك مثل من أتوا إليها من السعودية والعراق وغيرها، ومن جهة أخرى أكد البعض أنه رغم واقعية هذه الملاحظة فإن الأفضل هو ألا نستحضرها للعلن، وكأننا إذا تفادينا ذكرها، نفيناها من واقعنا.
واقع الحال أنه لطالما كان هناك ربط ساذج بين الشيعة عموماً وإيران، على الرغم من أن ليس كل الشيعة إيرانيين وليس كل الإيرانيين شيعة، وأن التشيع في أصله عربي وليس فارسياً، إلا أنه بسبب قيام نظام حكومي شيعي في المنطقة، تم مباشرة إيعاز كل المنتمين للمذهب إليه. وكذلك، لطالما كان هناك ربط عنصري بين العجم عموماً وإيران على الرغم من أن معظم العجم ليس لهم علاقات بإيران، لم يزوروها ذات يوم، وأنا واحدة منهم، لا يتكلمون لغتها، كما وحالي للأسف، ولا يمكنهم أن يتواءموا معها اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً بأي حال من الأحوال. هل هذا يعني أن الولاءات كلها متسقة؟ بالطبع لا، فكما أن هناك عنصرياً على هذه الضفة، هناك صنوه على الضفة مقابلها، وكما أن هناك متطرفاً على هذا الشاطئ، فنظيره على الشاطئ مقابله. هذه طبيعة البشر.
على هذه الخلفية من الاضطرابات العرقية والطائفية والسياسية التي كانت، هناك محاولات جادة لإخماد نيرانها مؤخراً في المنطقة العربية، والتي تتباين ظروفها من منطقة لأخرى، لتكون في الكويت -على سبيل المثال- في أخف حالاتها من حيث تحقق درجة ممتازة من التعايش والتواؤم والاستقرار. تدور الآن حرب قد تضرم ناراً في رماد بعد لم تنطفئ جذوته. إن محاولة تفادي ذكر أي تداعيات خطرة اجتماعية وسياسية لاحقة لهذه الحرب لن يمنع هذه التداعيات ولن يخفيها. علينا واقعياً أو نواجه الوضع بحقيقتيه: حقيقة أن هناك خلفية طائفية عرقية لطالما كان لها أكبر الأثر في المنطقة، وأن من أشد وأخطر السذاجات محاولة إنكار ذلك، خصوصاً مع حرب تدور بين أقطابها تقع الآن في المنطقة وحقيقة أن إقرار الخطر في الضمير والسكوت عنه في العلن أو التمثيل أنه غير موجود لن يبخره في الهواء. علينا أن نبرز المشكلة لنأخذ خطوة تسبقها، فنقابلها على مفترق الطرق ونصيبها في مقتل.
بلا شك، فإن قلة قليلة من المتطرفين والعنصريين، على كلا الطرفين، قادرون على إيذاء أغلبية كبرى مستقرة محبة لأوطانها مخلصة لها، هذه القلة هي عادة من يضرم النار ويوقع الكوارث والتي، في زمننا الحالي، يسهل انتشارها ويتسع أثرها بوجود وسائل التواصل الاجتماعي. إن المحاكمات التي تقام الآن على وسائل التواصل لكل من يكتب كلمة منطقية معتدلة لهي بحد ذاتها الدخان الذي يدلل على نار لا نودها أن تتقد أبداً، وما التحذير سوى محاولة جادة لإخمادها. واقعياً، هذه حرب قد تعيد الصراع الطائفي والعرقي إلى السطح، وقد تتهدد أمن واستقرار شعوب تعايشت رغم الاختلافات والمناوشات، هي حرب قد تعيدنا إلى حرب طائفية عرقية باردة خطرة كتلك التي كانت في ثمانينيات القرن الماضي، إلا إذا واجهنا وانتبهنا وتحركنا وحذِرنا. هذه حرب إثبات وجود سياسي وعسكري لن يستفيد من استمرارها سوى إسرائيل، الساعية بكل قواها لإضرام نار الخلاف بين دول الخليج وإيران، وسيتضرر منها كل من عداهم حتى الأمريكان بإدارتهم الحالية الغريبة وغبية التوجه. نبذ العنصريات بكل أشكالها، بشكل حقيقي لا كليشيهي، هو طريق الخلاص وهو ما سيحمينا في قادم الأيام.












































