اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ١٤ أذار ٢٠٢٦
'كرتونة البيض' ونضوب نخب الإصلاح في العالم العربي #عاجل
كتب - اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
يعيش العالم العربي اليوم حالة مركّبة من التراجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني. فالكثير من الدول تعاني اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد، وتراجعاً في معدلات التنمية، واتساعاً في الفجوات الاجتماعية، إلى جانب أزمات سياسية مزمنة وصراعات داخلية أو إقليمية تلقي بظلالها الثقيلة على الاستقرار والأمن. وفي ظل هذه الظروف المتشابكة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إلى حركات إصلاح وطنية حقيقية، وإلى نخب سياسية تمتلك الوعي والكفاءة والشجاعة لتتصدى للعمل العام، وتضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية الضيقة.
فالإصلاح في أي مجتمع لا يتحقق تلقائياً، بل يحتاج إلى نخب فكرية وسياسية تقوده، وإلى مواطنين يشاركون في الشأن العام ويؤمنون بأن مستقبلهم مرتبط بمصير أوطانهم. غير أن المفارقة المؤلمة في كثير من الدول العربية اليوم هي ندرة هذه النخب القادرة على حمل مشروع الإصلاح والتغيير، أو ضعف حضورها وتأثيرها في المجال العام.
ولا يعود ذلك فقط إلى القيود السياسية أو تعقيدات الواقع المؤسسي، بل يرتبط أيضاً بواقع اجتماعي واقتصادي يثقل كاهل المواطن العربي بأعباء الحياة اليومية، إلى درجة تجعله منصرفاً عن الانخراط في العمل العام. فحين تتحول الحياة إلى سباق يومي لتأمين ضروريات العيش، يصبح التفكير في السياسة أو الإصلاح ترفاً لا يملكه كثيرون.
وتختصر قصة متداولة حدثت بالفعل في إحدى الدول العربية هذا الواقع بشكل لافت.
فقد تجمّع مئات المواطنين بعد صلاة الجمعة في وقفة احتجاجية يرفعون شعارات ويهتفون مطالبين بالتغيير. وبينما كانت الأجواء تتجه نحو تصعيد محتمل، توقفت فجأة بالقرب منهم شاحنة صغيرة محمّلة بالبيض، وبدأ منادٍ يعلن بيع 'بيض طازج بنصف السعر'.
في البداية تردد البعض، ثم قال بعضهم: لا مانع من شراء البيض أولاً ثم العودة إلى الاحتجاج. خلال دقائق التف المئات حول الشاحنة، ونفد البيض سريعاً. وبعد قليل وصلت قوات الأمن التي كانت تستعد لتفريق المتظاهرين، لكنها فوجئت بأن المشهد قد تغيّر تماماً: كل واحد من المحتجين أصبح يحمل كرتونة بيض حصل عليها بسعر مغرٍ، وينظر إليها متسائلاً عن مصيرها إن اندلعت مواجهة!
وهكذا انتهى التجمع بهدوء، وغادر الناس المكان دون صدام. فالاحتجاج يمكن تعويضه لاحقاً، أما الفرصة الاقتصادية الصغيرة التي حصلوا عليها فلن تُعوّض بسهولة.
قد تبدو هذه القصة بسيطة، لكنها تكشف جانباً عميقاً من الواقع السياسي والاجتماعي في العالم العربي. فالمواطن العربي يعيش في ظل ضغوط اقتصادية ومعيشية متراكمة تجعله يحمل ما يشبه 'كرتونة البيض' في حياته اليومية: التزامات الأسرة، غلاء الأسعار، الخوف من فقدان الوظيفة، القلق على تعليم الأبناء ومستقبلهم.
حين يحمل المواطن هذه الأعباء الثقيلة يصبح أكثر حذراً في كل خطوة. فهو يخشى أن يؤدي أي اضطراب أو مغامرة سياسية إلى تحطيم توازنه الهش. لذلك يفضّل كثيرون الانكفاء إلى حياتهم الخاصة، والتركيز على تدبير شؤون أسرهم، بدلاً من الانخراط في العمل السياسي أو الشأن العام.
والنتيجة الطبيعية لذلك هي تراجع المشاركة السياسية في المجتمعات العربية. فالأحزاب تضعف لأنها لا تجد قاعدة اجتماعية واسعة تنخرط فيها، والنقابات وإتحادات الطلاب تفقد دورها، والفضاء العام يصبح أكثر فقراً بالنقاشات الجادة حول الإصلاح والتغيير.
ومع مرور الوقت يحدث ما هو أخطر: نضوب النخب السياسية الوطنية القادرة على قيادة التحولات الكبرى. فالنخب لا تتكوّن في الفراغ، بل تنشأ عادة من مجتمع نشط سياسياً، فيه حركات طلابية ونقابات وأحزاب ومنظمات مدنية. لكن حين ينشغل المجتمع كله بمعركة المعيشة اليومية، تصبح السياسة ترفاً لا يملكه إلا القليل.
هكذا تتعدد 'كرتونات البيض' في العالم العربي: قد تكون غلاء المعيشة، أو البطالة، أو الخوف على الوظيفة، أو القلق على مستقبل الأبناء. لكن النتيجة غالباً واحدة: مجتمع يتحرك بحذر شديد، ويفكر طويلاً قبل أن يخطو خطوة في الشأن العام.
غير أن هذا الواقع، على قسوته، ليس قدراً محتوماً. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي نجحت في الخروج من أزماتها لم تفعل ذلك إلا حين أدركت أن الاستغراق الكامل في هموم المعيشة لا يحل المشكلة، بل يؤجلها ويعمّقها. فالتحرر من'كرتونة البيض' لا يعني تجاهل متطلبات الحياة اليومية، بل يعني إدراك أن تحسين شروط هذه الحياة يمر أيضاً عبر الانخراط في الشأن العام والمطالبة بالإصلاح.
إن بناء نخب وطنية قادرة على قيادة التغيير يبدأ بإحياء روح المشاركة والمسؤولية العامة في المجتمع: في الجامعات، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام. فهذه الفضاءات هي التي تصنع عادة القيادات الفكرية والسياسية، وتمنحها الخبرة والشرعية المجتمعية.
كما أن النخب الحقيقية لا تُبنى على المصالح الضيقة أو الطموحات الشخصية، بل على وعي وطني عميق يدرك أن الإصلاح مسؤولية جماعية طويلة النفس، تتطلب الشجاعة الفكرية، والاستقلالية، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المكاسب الآنية.
وفي الختام، إن التحدي الحقيقي لأي مشروع إصلاحي في المنطقة لا يقتصر على تغيير القوانين أو المؤسسات، بل يبدأ بتحرير المواطن نفسه من هذه الأعباء الثقيلة. فحين يشعر الناس بالأمان الاقتصادي والاجتماعي، يصبحون أكثر استعداداً للمشاركة في الشأن العام، وأكثر قدرة على إنتاج النخب التي تقود الإصلاح والتغيير. وحين يبدأ المجتمع في استعادة ثقته بقدرته على التأثير، وتجد الكفاءات الوطنية بيئة تسمح لها بالمشاركة والعمل العام، يمكن عندها أن تتشكل تدريجياً نخب إصلاحية جديدة قادرة على قيادة التحولات الضرورية. عندها لن تبقى 'كرتونة البيض' عائقاً يشل الحركة، بل ستتحول إلى مجرد تفصيل صغير في حياة مجتمع قرر أن يصنع مستقبله بيديه.












































