×



klyoum.com
jordan
الاردن  ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

klyoum.com
jordan
الاردن  ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

موقع كل يوم »

اخبار الاردن

»سياسة» صحيفة السوسنة الأردنية»

رجعت أصالة عالشام

صحيفة السوسنة الأردنية
times

نشر بتاريخ:  الثلاثاء ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ - ٠٤:٤٦

رجعت أصالة عالشام

رجعت أصالة عالشام

اخبار الاردن

موقع كل يوم -

صحيفة السوسنة الأردنية


نشر بتاريخ:  ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ 

لدي علاقة شخصية بالشام لا أعرف كيف أشرحها من دون أن أبدو كمن يطالب بمدينة ليست له بحصة من الميراث. كلما ضاقت علي الدنيا أتخيل نفسي هناك في تشرين الأول، أمشي مع ابنة خالتي في شوارع دمشق، ربما باب توما تحديدا، نضحك بهستيريا على أشياء لا تستحق الضحك، نبتاع الكتب وبعض مستحضرات التجميل الرخيصة ونجمع الياسمين في مناديل ورقية كأننا نخشى أن تصادره المدينة إذا اكتشفت أننا نسرق الياسمين بجوازات عراقية.

لذلك لم أستغرب عندما التمعت دمعة في محجري وأنا أشاهد أصالة نصري تعود إلى دمشق بعد غياب طويل، لكنني لم أعرف تماما لمن كانت تلك الدمعة. أكانت للشام التي أشتاق إليها أنا التي لم أنف عنها أصلا واخترت الرحيل بنفسي، أم لذلك الجزء النرجسي الصغير في الإنسان الذي شاهد المشهد وفكر بخجل: يا إلهي، أريد عودة كهذه أنا أيضا؟

ثم فكرت في المأزق الذي سأقع فيه لو تحقق الأمر. ماذا سأفعل أمام آلاف الأشخاص؟ لا أستطيع الغناء، ولست شاعرة لألقي قصيدة، وعلى الأرجح سأرتبك بعد دقيقة من التصفيق وأردد دعاء الصباح الذي حفظته عن أبي في الصف الثالث الابتدائي. لكن الحفل لم يكن حفلا بالمعنى البسيط للكلمة، بل بناء شديد الذكاء لفكرة أقدم من المسارح نفسها اسمها “عودة البطل”. كانت التفاصيل كلها تعرف أين ينبغي أن تقف: الذهب فوق الرأس و الهيئة التي تستدعي من بعيد ملكة سورية قديمة، حتى تكاد زنوبيا تمر خلف الصورة من دون أن ينطق أحد باسمها، الأم التي تلتقطها الكاميرا في اللحظة المناسبة، الزغاريد والمدينة التي تتحول فجأة من مكان إلى شاهد. لم تكن تلك زينة تحيط بالعودة، بل مفردات في لغة بالغة في القدم يفهمها البشر قبل أن يفكروا في معناها.

فالإنسان لا يريد أن ينجو فقط، بل أن تكون للنجاة هيئة. لا يريد أن يعود فحسب، بل أن يرى في عيون الذين تركهم الدليل على أن الغياب لم يهزمه. نحن لا نشاهد العائد المنتصر وحده؛ بل نستعير جسده للحظات كي نتخيل عوداتنا المؤجلة: شخص يعود إلى مدينته محملا على الأكتاف، وآخر إلى عائلته وهم معتذرون صاغرون، وثالث إلى مهنة أخرج منها، ورابع إلى أشخاص حكموا عليه باكرا ثم عاش بما يكفي ليرى أحكامهم تشيخ قبله.

كان الفاتح قديما يدخل على حصان ويسبقه المنادي وتصطف المدينة لرؤيته. أما اليوم فقد استحال الحصان إلى سيارة، والمنادي إلى كاميرا، وتضاعفت المدينة إلى ملايين الشاشات. تغيرت الوسائط ولم تتغير الرغبة القديمة: ألا تمر النجاة في صمت. نريد جميعا وبدرجات متفاوتة من النرجسية، يوما ندخل فيه مسرح حياتنا أمام من عرفونا من باب المنتصر. لهذا كان المشهد قادرا على إحداث ذلك النوع من الانتشاء الجماعي الذي يجعل المتفرج يتورط عاطفيا قبل أن يسأل نفسه عما يشاهده. لأن أكثر الصور قدرة على إقناعنا ليست بالضرورة تلك التي تكذب علينا، بل تلك التي تجد في داخلنا حقيقة شخصية ثم تستخدمها ممرا إلى حقيقة أخرى.

سبقت أصالة إلى المدينة نسخة فنية منها عبر “الألبوم السوري” بأربع عشرة أغنية تستدعي المحافظات السورية الأربع عشرة. ثم جاءت أغنية العودة بحيلة الشعر القديمة نفسها: تبدأ بحبيب غائب قبل أن يتسع المحبوب شيئا فشيئا حتى يصبح مدينة، وحين تصل إلى جملة “قولوا يا عالم لإمي.. رجعت أصالة عالشام” تكون المسافة بين الوطن والعائلة قد انهارت. لم يعد الوطن فكرة سياسية معقدة، بل والدة تنتظر ابنتها. ومن يعترض على التاريخ يستطيع أن يجادل، أما من يعترض على الأم فيبدو كأنه يعترض على شيء أقدم من التاريخ نفسه. لكن الصورة التي تبلغ هذا القدر من الاكتمال تستحق، على القدر نفسه من السطوع، أن نخفف من وطأة توهجها الذي يسبب العمى المؤقت أحياناً.

سقط نظام بشار الأسد في ديسمبر ٢٠٢٤، وانتظرت العودة إلى مسرح دمشق حتى سبتمبر ٢٠٢٦. وبين التاريخين لم يمر الزمن وحده. تغيرت سلطة وأعيد ترتيب المجال العام، وتحققت عودات كانت مستحيلة، وفي اللحظة نفسها أصبح للنظام الجديد حاجته الخاصة إلى الصور التي تقول إن زمنا انتهى وإن زمنا آخر بدأ. هنا لا تعود عودة الفنان شأنا شخصيا خالصا، حتى لو كانت عاطفته صادقة بالكامل. ثمة بلد يسمح بالعودة، ومؤسسات تفتح المسرح، وسياق سياسي يحتاج بدوره إلى وجوه عائدة تمنح التحول المجرد هيئة بشرية. قد تكون كل التفاصيل المغرقة بالشعور حقيقية، ومع ذلك تكون الصورة التي احتوتها قد عبرت قبل وصولها إلينا شبكة من المصالح والتوقيت والحسابات. ليست كل التسويات عقودا توقع خلف الأبواب، وليست كل المصالح بحاجة إلى اجتماع سري. أحيانا يكفي أن يحتاج طرفان، في لحظة تاريخية واحدة إلى الصورة نفسها.

الفنان يحتاج إلى وطن يستطيع أن يعود إليه والسلطة الجديدة تحتاج إلى عائد يجسد أمام الناس أن العودة أصبحت ممكنة. الأول يمنح اللحظة عاطفتها، والثانية تمنحها مسرحها وشرعيتها وتوقيتها. ثم تأتي الكاميرا لتجمع الحاجتين داخل لقطة واحدة. لا ينتقص ذلك بالضرورة من أصالة أو من عاطفتها؛ فالمهم ليس القبض على مذنب أو منزه، وإنما فهم المنطقة التي يتشابك فيها الصادق بالمصنوع حتى يستحيل فصلهما. البشر ينظمون الجنائز لأن الحزن الخام بلا شكل، ويقيمون حفلات الزواج لأن الحب وحده غير مرئي، ويبنون أقواس النصر لأن الانتصار واقعة تحتاج إلى هيئة كي تبقى. الطقس ليس تزويرا للشعور، بل الطريقة التي اخترعها الإنسان كي يجعل الشعور قابلا للمشاهدة. والسياسة تعرف ذلك منذ زمن بعيد. إنها لا تكتفي بما يحدث، بل تحتاج إلى صورة لما حدث. وهنا يملك الفن قدرة لا تملكها البيانات السياسية: يستطيع أن يجعل التاريخ محسوسا. أغنية واحدة قد تنجز عاطفيا ما لا تنجزه مئة صفحة من خطاب رسمي. وهذا موضع السحر والخطر معا؛ فالفن قادر على إنقاذ التجربة الإنسانية من جفاف الوقائع، لكنه قادر أيضا على منح الوقائع تماسكا لم تكن تملكه وهي تحدث.

التاريخ في حالته الخام سيئ الإخراج على نحو مذهل. تقع الأشياء في توقيت خاطئ، تضيع التفاصيل ويموت بعضهم قبل نهاية الحكاية. لا توجد كاميرا تعرف دائما إلى أي وجه ينبغي أن تلتفت؛ أما الفن فيأتي ليمنح الفوضى بنية، والخطورة أن هذه البنية قد تصبح بعد سنوات في ذاكرتنا أقوى من الفوضى التي أنجبتها. ولعل هذا ما يعيدنا إلى كونديرا وفكرته عن الفرق بين تاريخ البشرية الذي يقع على الإنسان من الخارج، وتاريخ الفن الذي يصنعه الإنسان بإرادته. غير أن مشهد دمشق يقترح منطقة ثالثة أشد التباسا: ماذا يحدث حين يأخذ الفن ما فعله التاريخ بالإنسان، ثم يستعير من التاريخ نفسه المسرح والشرعية واللحظة المناسبة ليصنع حادثة ستدخل بدورها في التاريخ؟ عندئذ يصعب أن نعرف أين تنتهي العودة وأين يبدأ استخدامها، وأين ينتهي الشعور الشخصي وأين تبدأ الحاجة إلى تقديم عصر جديد في صورة يمكن تصديقها.

وهنا يظهر يوليسيس، أقدم خبرائنا تقريبا في مأزق العودة. أمضى عشرين عاما بين الحرب والتيه ولو كان ثمة إنسان يستحق عودة المنتصر فهو الرجل الذي حارب من أجل إيثاكا. ومع ذلك يصل إليها فلا تمنحه الجزيرة المشهد الذي ظل يبنيه طوال الغياب. تغيرت الوجوه وأصبحت العودة نفسها بحاجة إلى علامات قديمة تثبت أن المكان ما زال يعرف صاحبه، حتى تصبح شجرة زيتونة حية الدليل الأخير على أن بين الرجل والجزيرة تاريخا لم يستطع الزمن محوه.

ربما لهذا تكون “فكرة العودة” أحيانا أجمل من العودة نفسها. فالمنفي يبني طوال الطريق مسرحا كاملا: كيف سيدخل، من سيستقبله، من سيعرفه، من سيندم؟ بينما تستمر المدينة الحقيقية في التبدل والشيخوخة والنسيان، تظل مدينته الداخلية محفوظة خارج الزمن. وعندما يصل، يلتقي مكانان يحملان الاسم نفسه ولا يتطابقان تماما.

لكن إنسان هذا العصر أضاف إلى مأزق يوليسيس مأزقا لم يعرفه الإغريق: لم تعد إيثاكا تنتظر العائد فقط، بل أصبحت هي الأخرى تعرف الكاميرا وتعرف من أي زاوية تبدو أجمل!.

أصالة تحتاج إلى دمشق كي تكتمل حكاية العودة، ودمشق الجديدة تحتاج، في لحظة ما، إلى عائدين كي تكتمل حكايتها عن نفسها. وبين الحاجتين يقف الفن؛ لا بريئا تماما ولا مذنبا تماما، يصنع تلك المنطقة التي تستطيع فيها المصلحة أن ترتدي ثوب الحنين، ويستطيع الحنين أن يستخدم مؤسسات المصلحة من دون أن يفقد بالضرورة صدقه الشخصي.

لهذا تأثرت وكأن كل دموع العراق نزلت مرة واحدة على رأسي. كنت أعرف أنني أشاهد أصالة، لكن جزءا مني كان يشاهد نفسه. ربما هذه هي الحيلة الأقدم التي يعرفها المسرح: نظن أننا نصفق لمن يقف فوق الخشبة، بينما نحن في الحقيقة نصفق لاحتمال سري لأنفسنا.

كلنا نريد إيثاكا. نريد أن نعود وأن يعرفنا المكان، وأن يشيخ الذين تركناهم قليلا بينما نصل نحن في أفضل نسخة ممكنة من وجوهنا. نريد الضوء والموسيقى والشاهد الذي يتذكر كيف خرجنا ثم يرى كيف عدنا؛ لكن إيثاكا الحقيقية تبدأ بعد انطفاء الكاميرات.

حين ينصرف الجمهور، وتصمت الزغاريد، ويخلع المنتصر ثيابه اللامعة، وتعود المدينة إلى صباحها العادي، بمصالحها وتسوياتها وأسئلتها التي لم تدخل الأغنية. عندها فقط يسقط المسرح ويبقى السؤال: من الذي عاد إلى من؟ الإنسان إلى وطنه، أم الوطن إلى الصورة التي احتاج أن يراها عن نفسه؟

موقع كل يومموقع كل يوم

أخر اخبار الاردن:

إنجاز جديد للملكية الأردنية .. تتويج سامر المجالي بجائزة ATW العالمية

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.

موقع كل يوم
1

أخبار كل يوم

lebanonKlyoum.com is 2518 days old | 1,165,098 Jordan News Articles | 13,684 Articles in Sep 2026 | 521 Articles Today | from 31 News Sources ~~ last update: 23 min ago
klyoum.com

×

موقع كل يوم


مقالات قمت بزيارتها مؤخرا



رجعت أصالة عالشام - jo
رجعت أصالة عالشام

منذ ٠ ثانية


اخبار الاردن

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.






لايف ستايل