اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم يعد ما يجري في أسواق الطاقة العالمية مجرد موجة ارتفاع في أسعار النفط، بل تحول إلى أزمة أوسع تكشف هشاشة منظومة الإمداد نفسها. المشكلة اليوم ليست في ندرة الموارد بقدر ما هي في القدرة على نقلها وتكريرها وإيصالها إلى الأسواق بالكلفة والسرعة المطلوبتين. وعندما تتعرض الممرات البحرية والمصافي وسلاسل الشحن والمخزونات للضغط في وقت واحد، تنتقل الصدمة بسرعة من سوق الطاقة إلى النقل والصناعة والغذاء والتضخم.
وتوضح المقارنة التاريخية حجم هذا التحول. فقد وصفت وكالة الطاقة الدولية الاضطراب المرتبط بمضيق هرمز بأنه الأكبر في تاريخ سوق النفط من حيث حجم الإمدادات المتأثرة، متجاوزاً ما شهدته الأسواق في أزمة 1973. لكن الفارق أن أزمة اليوم أكثر تعقيداً؛ فهي لا تضغط على النفط الخام وحده، بل تمتد إلى المنتجات المكررة والغاز والنقل البحري، ما يجعل استعادة التوازن أصعب حتى مع عودة جزء من الإنتاج أو حركة الناقلات.
ومن أكثر المؤشرات دلالة الاتفاق الذي أُعلن في 9 تشرين الأول 2026 لتوفير أكثر من 300 ألف طن من الديزل الروسي بشكل فوري، مع كميات إضافية لاحقاً. أهمية الخطوة لا تتوقف عند حجم الوقود، بل في دلالتها السياسية؛ إذ إن الحاجة إلى الديزل دفعت واشنطن إلى تخفيف بعض القيود المرتبطة بالوقود الروسي. وهذا يعكس مستوى الضغط على أسواق المنتجات المكررة، ويبين أن أمن الإمدادات يمكن أن يعيد ترتيب الأولويات عندما تضيق الخيارات.
لكن الأزمة الأعمق لا تكمن في الخام فقط. تقديرات مسؤولين في قطاع الطاقة تشير إلى عجز عالمي كبير في المنتجات المكررة، بالتزامن مع سحب واسع من المخزونات التي يفترض أن تعمل كخط دفاع عند الصدمات. وهذا يعني أن العالم لا يستهلك الطاقة فقط، بل يستهلك أيضاً جزءاً من هامش الأمان الذي يحميه. ولذلك لجأت وكالة الطاقة الدولية والدول الأعضاء إلى الإفراج عن كميات كبيرة من الاحتياطيات، مع إعطاء أولوية للديزل.
وفي مضيق هرمز تظهر المشكلة بصورة أوضح. فقد تحسنت صادرات الخام الخليجية نسبياً، لكن تدفقات الوقود المكرر بقيت أكثر عرضة للضغط، بينما ارتفعت كلفة الشحن والتأمين. وهذا يوضح أن عودة الناقلات لا تعني بالضرورة عودة السوق إلى وضع طبيعي؛ فقد تنتقل نقطة الاختناق من الحقل إلى المصفاة، أو من المصفاة إلى الناقلة، أو من الناقلة إلى الممر البحري.
ويزداد المشهد تعقيداً عند البحر الأحمر وباب المندب. فعندما يتعرض هرمز للضغط، تصبح خطوط الأنابيب والموانئ البديلة أكثر أهمية، لكن هذه المسارات ليست مفتوحة بلا حدود ولا محصنة من المخاطر. كما أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالنفط وحده، إذ امتد أثرها إلى تجارة الغاز الطبيعي المسال. وهنا يصبح أمن الطاقة مسألة مرتبطة بعدد المسارات المتاحة، وقدرتها على العمل تحت الضغط، وليس فقط بحجم الإنتاج.
هذه التطورات تعيد صياغة مفهوم أمن الطاقة نفسه. لسنوات طويلة، اعتمدت الأسواق على خفض المخزونات وتقليل الكلفة ووصول الإمدادات في الوقت المناسب. أما المرحلة الحالية فتدفع نحو منطق مختلف: مخزونات أكبر، ومصادر أكثر تنوعاً، وطرق تصدير بديلة، وطاقة تكرير احتياطية. أي أن الأولوية تتحول تدريجياً من البحث عن الإمداد الأرخص إلى ضمان الإمداد الأكثر أمناً ومرونة.
والأثر لا يبقى داخل قطاع الطاقة. ارتفاع أسعار الديزل يرفع كلفة النقل والزراعة والصناعة، ثم ينتقل إلى الغذاء والسلع والخدمات. وبالنسبة لدولة مستوردة للطاقة مثل الأردن، فإن الدرس لا يقتصر على متابعة سعر برنت، بل يشمل تنويع مصادر التوريد، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتسريع الاعتماد على المصادر المحلية والمتجددة، ومراجعة البدائل اللوجستية قبل أن تتحول الأزمة من الخارج إلى ضغط داخلي.
ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن العالم قد يمتلك موارد كافية، لكنه لا يمتلك دائماً ضماناً لوصولها. والخطر الحقيقي يظهر عندما تتعرض عدة حلقات للضغط في الوقت نفسه: ممر بحري، ومصفاة، وخط أنابيب، وأساطيل شحن، ومخزونات تتراجع. لذلك لن يُقاس أمن الطاقة مستقبلاً بحجم الإنتاج والاحتياطيات فقط، بل بقدرة الدول على تنويع مصادرها ومساراتها والاستعداد للصدمات قبل وقوعها. وهنا يكمن جوهر الأزمة الجديدة: الموارد موجودة، لكن الوصول إليها أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي نفسه.












































