اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
مصيدة إسقاط النظام الإيراني: لماذا لا تكفي الحرب وحدها لصناعة اليوم التالي؟ #عاجل
كتب زياد فرحان المجالي -
من أكثر الأخطاء شيوعًا في لحظات التصعيد الكبرى أن تختلط الرغبة السياسية بالتقدير الاستراتيجي. وهذا بالضبط ما يلوح في جزء من النقاش الإسرائيلي حول إيران: خلطٌ بين إضعاف النظام وإسقاطه، وبين إرباكه وإنتاج بديل له، وبين توجيه ضربات موجعة وبين ضمان أن ما بعد الحرب سيكون أفضل لإسرائيل وللمنطقة. لكن القراءة الأكثر واقعية بدأت تقول شيئًا مختلفًا: إسقاط النظام الإيراني ليس استراتيجية بحد ذاته، بل قد يتحول إلى مصيدة إذا غاب التصور الواضح لليوم التالي.
هذه الفكرة لا تنطلق من الدفاع عن النظام الإيراني، ولا من التقليل من أثر الضربات العسكرية، بل من فهم بارد لطبيعة الدول الكبيرة حين تدخل طور الإنهاك من دون أن تنهار بالكامل. فإيران ليست تنظيمًا صغيرًا يمكن تفكيكه بضربة قاصمة، وليست نظامًا هشًا يسمح بتوقع سقوط سريع لمجرد تعرضه لهزة عسكرية أو أمنية. إنها دولة ذات مؤسسات وأجهزة وطبقات نفوذ وشبكات أيديولوجية وعسكرية ممتدة داخل حدودها وخارجها. ولهذا يبدو الرهان على أن الضغط العسكري وحده سيُنتج انهيارًا داخليًا سريعًا أقرب إلى التمني منه إلى التخطيط.
القلق الإسرائيلي الحقيقي لا يقتصر على احتمال بقاء النظام، بل يمتد إلى احتمال بقاء نظام جريح أكثر تشددًا وعدوانية، وأكثر ميلًا إلى إعادة بناء أدوات الردع بأشكال جديدة. فالأنظمة التي تخرج من المواجهات الكبرى من دون أن تسقط، كثيرًا ما تعيد تعريف أمنها القومي بمنطق أشد صرامة، وتسعى إلى تعويض الخسائر عبر تسريع ما تعتبره أدوات الحماية الاستراتيجية. وفي الحالة الإيرانية، قد يعني ذلك أن أي توقف للحرب من دون ترتيبات رقابية وضاغطة يفتح الباب أمام سباق لإعادة بناء البرنامجين النووي والصاروخي، وإعادة ترتيب شبكات النفوذ الإقليمي بصورة أكثر مرونة وأقل انكشافًا.
من هنا تظهر 'المصيدة”. فبعض الخطاب الإسرائيلي ينجرف إلى تصور أن الضغط المتراكم سيُنتج تلقائيًا تغييرًا داخليًا في طهران، بينما يحمل هذا التصور في داخله خطرين كبيرين: الأول أنه يغري بإطالة أمد الحرب على أمل بلوغ لحظة انهيار قد لا تأتي، والثاني أنه يؤجل النقاش الجدي حول السؤال الأهم: كيف يمكن منع إيران من استعادة قوتها حتى لو بقي النظام نفسه؟ في الحقيقة، هذا هو السؤال المركزي، لا سؤال من سيحكم طهران غدًا.
إسرائيل، في هذا السياق، تقف أمام مفترق حساس. فإذا بنت استراتيجيتها على أمل سقوط النظام، فهي تسلم أمنها الإقليمي إلى فرضية غير مضمونة. أما إذا انطلقت من فرضية أكثر واقعية، وهي أن النظام قد يبقى حتى بعد الضربات، فإن المطلوب يصبح مختلفًا تمامًا: تحويل أي إنجاز عسكري إلى منظومة ردع ورقابة وأدوات ضغط تمنع إعادة البناء السريع. عندها لا يعود معيار النجاح هو حجم التدمير الذي وقع، بل قدرة ما بعد الحرب على منع الخصم من استعادة مساره السابق. وهذا هو الفارق بين إنجاز تكتيكي عابر ومكسب استراتيجي قابل للبقاء.
لكن هنا تبدأ المشكلة الأوسع: 'اليوم التالي” لا تصنعه القوة وحدها. فالحرب تستطيع تدمير منشآت، وإرباك قيادات، وخلخلة شبكات، لكنها لا تنشئ تلقائيًا نظامًا إقليميًا جديدًا. ذلك يحتاج إلى تفاهمات، وتحالفات، وآليات رقابة، وضمانات تنفيذ، وقبل ذلك كله تعريفًا سياسيًا واضحًا للغاية: هل المطلوب تجميد المشروع النووي فقط؟ أم شل القدرات الصاروخية أيضًا؟ أم تحجيم النفوذ الإقليمي؟ أم إعادة صياغة البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط كله؟ لكل هدف من هذه الأهداف أدواته المختلفة، ولا يمكن جمعها جميعًا تحت عنوان عسكري واحد ثم افتراض أنها ستتحقق تلقائيًا.
اللافت أن هذا النقاش الإسرائيلي يحمل في داخله بعدًا عربيًا بالغ الأهمية. فحين تتحدث تل أبيب عن 'اليوم التالي”، فهي لا تفكر فقط في أمنها المباشر، بل في شكل الإقليم الذي تريد الخروج إليه بعد الحرب: تحالفات أوسع، وبيئة أكثر قبولًا بالشراكات الأمنية، وممرات طاقة وملاحة محمية، وربما إعادة دفع لمسارات التطبيع ضمن هيكل أمني جديد. بعبارة أخرى، لا تنظر إسرائيل إلى ما بعد الحرب باعتباره ملفًا إيرانيًا فحسب، بل باعتباره فرصة لإعادة ترتيب المنطقة سياسيًا وأمنيًا بما يخدم رؤيتها هي.
وهنا يجب أن يكون الموقف العربي أكثر يقظة وصلابة. فالعرب ليسوا متفرجين على نقاش إسرائيلي حول مستقبل إيران، لأن أي تصور إسرائيلي أو أميركي لـ”اليوم التالي” سيُختبر عمليًا في الجغرافيا العربية: في الخليج، وفي العراق، وفي سوريا، وفي لبنان، وفي أمن الطاقة والملاحة، وفي طبيعة التحالفات التي يُراد بناؤها أو توسيعها. ولهذا فإن أي حديث عن ترتيبات ما بعد الحرب لا يتضمن تعريفًا عربيًا واضحًا للمصالح والأولويات، سيعني ببساطة أن الآخرين سيواصلون صياغة مستقبل المنطقة بالنيابة عن أصحابها.
الرهان العربي المطلوب هنا ليس على سقوط النظام الإيراني ولا على بقائه، بل على منع المنطقة من التحول مرة أخرى إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الكبرى. المطلوب رؤية تقول إن الاستقرار لا يُنتج عبر إضعاف طرف واحد وترك بؤر الاختلال الأخرى مفتوحة، ولا عبر بناء توازن جديد يقوم فقط على القوة العسكرية من دون إطار سياسي شامل. فالخطر لا يكمن فقط في أن تعود إيران إلى برامجها، بل أيضًا في أن تنتج الحرب بيئة أشد هشاشة، تُدار فيها التوازنات بالردع المؤقت، فيما تبقى أسباب الانفجار قائمة ومؤجلة لا أكثر.
كما أن إطالة أمد الحرب نفسها تحمل كلفة تتجاوز إيران وإسرائيل. فكل يوم إضافي في حرب مفتوحة يعني احتمالات أكبر لاضطراب الطاقة، واتساع نطاق الاشتباك، وارتفاع منسوب التوتر في الممرات البحرية، وتزايد فرص الخطأ الاستراتيجي. ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن مواصلة الضغط إلى أن 'ينهار شيء ما” قد يكون أكثر كلفة بكثير مما يتخيل أصحابه. فالحرب الطويلة لا تُنهك الخصم وحده، بل تستنزف الجميع، وتفتح الباب أمام نتائج غير مقصودة، وبعضها قد يكون أخطر من أصل الأزمة نفسها.
لهذا، فإن الفكرة الأكثر تماسكًا ليست إسقاط النظام بوصفه شعارًا، بل بناء معادلة تمنع استعادة التهديد، سواء بقي النظام أم تغير. هنا تحديدًا يظهر الفارق بين التفكير الانفعالي والتفكير الاستراتيجي: الأول يراهن على مشهد الانهيار، والثاني ينشغل بالبنية التي تمنع عودة الخطر. وفي هذا الفارق تختبئ كل حساسية 'اليوم التالي”، وكل معنى النجاح أو الفشل في هذه الحرب.
الخلاصة أن الحرب، مهما بلغت شدتها، ليست جوابًا كاملًا عن سؤال المستقبل. وإذا كانت إسرائيل بدأت تدرك أن إسقاط النظام الإيراني ليس استراتيجية مكتملة بحد ذاته، فإن العرب أولى بإدراك أن ما بعد الحرب لن يكون أقل خطورة من الحرب نفسها. فالمنطقة لا تحتاج إلى أوهام انتصار سريع، بل إلى تصور يمنع إعادة إنتاج الفوضى تحت أسماء جديدة. وفي هذا المعنى، فإن أخطر ما في معارك اليوم ليس فقط ما تدمّره، بل ما قد تتركه معلقًا للغد.












































