اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
في واحدة من أكثر العمليات الأمنية التي تعكس تطور أدوات المواجهة بين الدولة والتنظيمات السرية خلال السنوات الأخيرة، تتكشف ملامح ملف شديد الحساسية يتعلق بحركة “حسم” الإرهابية، الجناح المسلح المنسوب لتنظيم الإخوان، بعد نجاح الأجهزة الأمنية في إسقاط أحد أبرز عناصره الميدانية علي عبد الونيس ، وفتح باب واسع من الاعترافات التي امتدت من القرى الصغيرة في دلتا مصر إلى معسكرات التدريب في غزة، وصولًا إلى مخططات استهدفت رموز الدولة ومؤسساتها الحيوية.
هذه القضية، التي تتجاوز كونها مجرد ضبط عنصر مطلوب، تبدو أقرب إلى تفكيك تدريجي لبنية تنظيمية كاملة اعتمدت على السرية، وتعدد الهويات، والعمل تحت أسماء حركية، وتوظيف الإعلام الموازي، والتدريب العسكري الخارجي، قبل أن تصطدم جميع هذه العناصر بمنظومة أمنية تعتمد على الرصد المتقدم والتحليل المعلوماتي والقدرة على تتبع الأثر الرقمي والميداني بدقة عالية.
ثروت الخرباوي: استعادة علي عبد الونيس من الخارج رسالة حاسمة.. والوعي المجتمعي خط الدفاع الأول ضد مخططات الإرهابفؤاد علام: القبض على الإرهابي علي عبد الونيس ضربة موجعة.. وتجفيف منابع حسم يتطلب تعاوناً دولياًماهر فرغلي: عبد الونيس أحد قادة “حسم” والقبض عليه يؤكد اختراق التنظيمحزب المصريين: ضبط الإرهابي علي عبد الونيس ضربة قاصمة لـ الإخوانالقيادي الإخواني عبد الونيس: عمليات التنظيم المسلح كانت لأهداف شخصية ومادية
القضية تتمحور حول الإرهابي “علي محمود محمد عبد الونيس”، المعروف داخل التنظيم بعدة أسماء حركية أبرزها “البرنس” و“الصياد”، إضافة إلى أسماء أخرى مثل “عمر” و“كريم” و“آدم”، وهو ما يعكس نمطًا ثابتًا داخل التنظيمات السرية التي تعتمد على إخفاء الهوية وتغييرها بشكل مستمر لتفادي الملاحقة الأمنية.
بدأت رحلة المتهم من قرية “زاوية البقلي” بمحافظة المنوفية، حيث نشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن ينتقل إلى القاهرة للدراسة في كلية الزراعة بجامعة الأزهر. هناك، لم يكن مجرد طالب عادي، بل كان نقطة جذب داخل دوائر طلابية سرعان ما تحولت إلى بوابة لاستقطابه ضمن ما يسمى “لجان العمل العام”، وهي إحدى الأدوات التنظيمية التي استُخدمت لاختراق الوسط الجامعي تحت غطاء الأنشطة الاجتماعية والسياسية.
من تلك النقطة، بدأ المسار يتحول تدريجيًا من النشاط الطلابي إلى التكوين التنظيمي، حيث انتقل إلى مرحلة “الحراك الجامعي”، ثم إلى ما يعرف داخليًا بـ“العمل النوعي”، وهو مستوى أكثر سرية وتخصصًا داخل الهيكل، يُكلف فيه العناصر بمهام حساسة تشمل الرصد والتخطيط والدعم اللوجستي.
تشير الاعترافات والتحقيقات إلى أن عام 2014 كان نقطة الانعطاف الأخطر في مسار المتهم، حين لعب القيادي الهارب “يحيى موسى” دورًا مباشرًا في تسهيل انتقاله خارج البلاد عبر الأنفاق إلى قطاع غزة.
هذه المرحلة، وفق ما تكشفه التفاصيل، لم تكن مجرد سفر عابر، بل كانت بوابة الدخول إلى مرحلة جديدة من “إعادة التشكيل”، حيث التحق المتهم بمعسكرات تدريب عسكرية استمرت قرابة أربعة أشهر، تلقى خلالها تدريبات مكثفة على:
هذه التدريبات، بحسب ما ورد، لم تكن فردية أو عشوائية، بل جزءًا من برنامج إعداد عناصر نوعية قادرة على تنفيذ عمليات داخل العمق المصري، ضمن شبكة تنظيمية تمتد خارج الحدود.
بعد العودة إلى الداخل، دخل المتهم مرحلة أكثر خطورة، تمثلت في المشاركة الفعلية في عمليات مسلحة استهدفت قوات الأمن والمنشآت الحيوية.
وتشير التحقيقات إلى تورطه في سلسلة من العمليات أبرزها:
هذه العمليات لم تكن منفصلة أو عشوائية، بل كانت جزءًا من نمط عمل قائم على الرصد المسبق للأهداف، وتحديد نقاط الضعف، وتوقيت التنفيذ وفق ما يسمى داخل التنظيم بـ“ساعة الصفر”، التي يتم تحديدها من قبل قيادات هاربة خارج البلاد.
من أكثر ما أثار خطورة في الاعترافات، الكشف عن وجود مخطط استهدف “الطائرة الرئاسية”، في محاولة تمثل تصعيدًا نوعيًا في طبيعة الأهداف التي يسعى التنظيم إلى ضربها.
وبحسب ما ورد، فإن هذا المخطط تم بالتنسيق مع عناصر مرتبطة بتنظيم “المرابطون” الذي أسسه الإرهابي الهالك هشام عشماوي، حيث جرى العمل على تأسيس معسكرات تدريب في الصحراء الغربية، بهدف إعداد عناصر قادرة على استخدام صواريخ “سام 7” و“سام 17”.
لكن هذه الخطط، وفق ما تكشفه الوقائع، لم تخرج إلى حيز التنفيذ، بعدما تمكنت الأجهزة الأمنية من رصد التحركات وإجهاض المشروع قبل اكتماله، في إطار ما يوصف بالضربات الاستباقية.
لم يقتصر نشاط المتهم على الجانب العسكري فقط، بل امتد إلى ما يمكن وصفه بـ“الحرب الإعلامية الموازية”، عبر منصات استخدمت كواجهات للتأثير والتجنيد.
ومن أبرز هذه المنصات:
“مؤسسة ميدان”
منصة “جوار”
هذه الكيانات، وفق الاعترافات، لعبت دورًا محوريًا في:
كما استخدمت هذه المنصات كقنوات غير مباشرة لتسهيل التمويل والتحركات، ضمن شبكة إعلامية تعمل على تزييف الواقع وإعادة تشكيله بما يخدم أهداف التنظيم.
اعتمد المتهم طوال سنوات نشاطه داخل التنظيم على استخدام أسماء حركية متعددة، بهدف إرباك الأجهزة الأمنية وتفتيت القدرة على التتبع.
لكن التطور الكبير في أدوات الرصد والتحليل الأمني، خاصة في مجال تتبع الاتصالات والبيانات الرقمية وربط الأنشطة الميدانية، جعل هذا النظام يفقد فعاليته تدريجيًا، ليصبح في النهاية نقطة ضعف بدلًا من أن يكون وسيلة حماية.
هذا التحول يعكس تغيرًا جذريًا في طبيعة المواجهة، حيث لم تعد السرية التقليدية كافية في مواجهة منظومة أمنية تعتمد على الذكاء التحليلي والمعلوماتي.
في مقاطع التحقيق المصورة، ظهر المتهم وهو يسرد تفاصيل دقيقة حول بنية التنظيم، وآليات التواصل المشفر، وتقسيم الأدوار، وكيفية اختيار الأهداف، وهو ما عكس حجم التنظيم الداخلي الذي كان يعمل خلف ستار من السرية.
لكن ما لفت الانتباه أكثر من المحتوى نفسه، هو الحالة النفسية التي ظهر عليها المتهم، حيث بدا في حالة انكسار واضح أثناء حديثه عن ما وصفه بـ“تكتيكات الموت”، في إشارة إلى أساليب تنفيذ العمليات المسلحة.
يتضمن السجل المنسوب للمتهم عددًا من أبرز العمليات التي تم توثيقها، وهي:
هذه العمليات شكلت جزءًا من موجة عنف استهدفت مؤسسات الدولة في فترات سابقة، ضمن محاولات لفرض واقع أمني مضطرب.
القضية في جوهرها لا تتعلق بسقوط عنصر واحد فقط، بل بتفكيك منظومة كاملة اعتمدت على العمل السري، والتدريب الخارجي، والإعلام الموازي، والتمويل غير المباشر، وتعدد الهويات.
ومع انهيار هذه الحلقة، يتضح أن الدولة لم تعد تتعامل مع هذه التهديدات بمنطق رد الفعل، بل عبر استراتيجية استباقية تقوم على تتبع الخلايا قبل تحولها إلى تهديد فعلي.
بين قاعات الجامعات في المنوفية، ومعسكرات التدريب في الخارج، وغرف التخطيط السرية، وبين منصات إعلامية تعمل في الظل، تنتهي هذه القصة عند لحظة سقوط مدوٍ لشبكة اعتمدت على السرية والتخفي لعقود.
لكن ما تكشفه هذه العملية ليس مجرد نهاية خلية، بل بداية مرحلة جديدة من المواجهة، عنوانها الأبرز: لا مكان للاختباء في عصر الرصد الذكي، ولا قيمة للأسماء الحركية حين يصبح الأثر الرقمي هو الحقيقة الكاملة.


































