اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
لم تعد الحروب في عالم اليوم تُقاس بحجم الجيوش ولا بعدد الدبابات، بقدر ما تُقاس بقدرة الدول على امتلاك التكنولوجيا وتوظيفها بكفاءة في لحظة القرار. وفي ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتجلى ملامح نمط جديد من الصراع، يتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية إلى فضاءات أكثر تعقيدًا وتشابكًا، حيث تتداخل القوة الصلبة مع أدوات غير مرئية، لكنها أشد تأثيرًا.
وتبدو التكنولوجيا العسكرية ليس فقط كعامل دعم للعمليات القتالية، بل كعنصر حاسم في تشكيل طبيعة الصراع ذاته. فالمعركة لم تعد تبدأ عند إطلاق النار، بل قبل ذلك بكثير، في مراكز تحليل البيانات، وغرف القيادة الرقمية، وعلى شاشات الأقمار الصناعية التي ترصد أدق التفاصيل في الزمن الحقيقي. لقد أصبح التفوق المعلوماتي هو المقدمة الحقيقية لأي تفوق ميداني، بحيث يغدو من يمتلك القدرة على جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار السريع، هو الأقدر على فرض إرادته دون الحاجة إلى انخراط واسع في القتال المباشر.
وتكشف أدوات الصراع المستخدمة عن هذا التحول بوضوح. فالصواريخ لم تعد مجرد وسائل تدمير، بل أصبحت أنظمة ذكية قادرة على المناورة والإصابة الدقيقة، في حين تحولت أنظمة الدفاع الجوي إلى شبكات معقدة من الرصد والاعتراض، تُدار بخوارزميات متقدمة توازن بين السرعة والدقة. وبين هذا وذاك، تتسع مساحة الاشتباك لتشمل الطائرات بدون طيار، التي ألغت إلى حد كبير الفاصل بين الاستطلاع والهجوم، وجعلت من السماء ساحة مفتوحة لعمليات منخفضة التكلفة عالية التأثير.
غير أن التحول الأعمق يكمن في انتقال جزء معتبر من الصراع إلى الفضاء غير المرئي، حيث الحرب السيبرانية والحرب الإلكترونية. ففي هذا المستوى، لا تُقاس الخسائر بعدد الضحايا، بل بمدى تعطّل الأنظمة، واختلال شبكات الاتصال، وفقدان السيطرة على البنية التحتية الحيوية. إن ضربة سيبرانية ناجحة قد تُربك منظومة دفاع كاملة، وتُحدث أثرًا استراتيجيًا يفوق في بعض الأحيان نتائج الضربات العسكرية المباشرة. وهنا تحديدًا، تتقاطع حدود القوة بين ما هو عسكري وما هو تكنولوجي، لتُعيد تعريف مفهوم الأمن القومي ذاته.
وفي مقابل التفوق التكنولوجي الواضح لدى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، تسعى إيران إلى بناء معادلة مختلفة، تقوم على توظيف التكنولوجيا بأسلوب غير تقليدي، يجمع بين الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، إلى جانب الاعتماد على شبكات حليفة في الإقليم. وهو ما يعكس إدراكًا بأن موازين القوة لم تعد تُحسم فقط بالتفوق النوعي، بل أيضًا بالقدرة على الابتكار في استخدام الموارد المتاحة وفرض معادلات ردع بديلة.
ومن ثم، فإن هذا الصراع، في أحد أبعاده، هو صراع بين نموذجين: نموذج يعتمد على التفوق التكنولوجي الشامل، حيث تتكامل أنظمة الذكاء الاصطناعي مع قدرات الاستشعار والاتصال، ونموذج آخر يوظف التكنولوجيا بمرونة، مستفيدًا من تكلفتها المنخفضة وقدرتها على إحداث تأثير غير متكافئ. وبين النموذجين، تتشكل خريطة جديدة للقوة، لا تلغي التفوق التقليدي، لكنها تعيد ترتيبه ضمن منظومة أوسع.
ولا يمكن إغفال أن هذا التحول يفرض تحديات تتجاوز حدود الأطراف المنخرطة في الصراع، ليطال الإقليم بأسره. فانتشار التكنولوجيا العسكرية، خاصة في مجالات الطائرات بدون طيار والحرب السيبرانية، يجعل من الصراعات أكثر سيولة وأقل قابلية للاحتواء، ويزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب. كما يفتح المجال أمام فاعلين غير تقليديين لامتلاك أدوات كانت حكرًا على الجيوش النظامية، وهو ما يضفي على المشهد الأمني قدرًا متزايدًا من التعقيد.
في النهاية، يبدو أن الحروب لم تعد تُخاض فقط في الميدان، بل في العقل الذي يدير الميدان. فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، تظل انعكاسًا لإرادة سياسية ورؤية استراتيجية قادرة على توظيفها. ومن هنا، فإن جوهر الصراع لا يكمن فقط في امتلاك الأدوات، بل في القدرة على دمجها ضمن تصور متكامل للقوة، حيث تتقاطع المعرفة مع القرار، ويصبح التفوق الحقيقي هو القدرة على قراءة المستقبل قبل أن يقع.


































