اخبار مصر
موقع كل يوم -الرئيس نيوز
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
بعد شهر كامل من الصمت الحذر، كسر الحوثيون في اليمن صمتهم بصلية صواريخ باليستية أطلقوها نحو إسرائيل، في أول هجوم مباشر لهم منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير. وقد أعاد هذا التحول المفاجئ إلى الواجهة شبح أزمة شحن عالمية أشد وطأة مما شهده العالم في السنوات الماضية، في وقت يظل فيه مضيق هرمز مغلقا شبه تام أمام ناقلات النفط، وفقا لبلومبرج.
من الهامش إلى قلب المعركة
كان الحوثيون، على خلاف حليفيهم حزب الله اللبناني والفصائل المسلحة في العراق، قد نأوا بأنفسهم طوال شهر كامل عن المشاركة في الحرب منذ انطلاق العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. غير أن المشهد تبدل فجأة؛ إذ أعلن المتحدث العسكري للحوثيين العميد يحيى سريع عبر قناة المسيرة الفضائية أن المجموعة أطلقت وابلا من الصواريخ الباليستية نحو ما وصفه بـ'مواقع عسكرية حساسة' في جنوب إسرائيل، فيما أكد جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتراض الصاروخ القادم من اليمن.
ويعد الحوثيون ركيزة أساسية في ما تسميه إيران 'محور المقاومة'، الشبكة الإقليمية التي تضم حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان وفصائل مسلحة أخرى. وجاء الهجوم بعد ساعات قليلة من تحذير سريع في بيان مقتضب أن المجموعة ستنضم إلى الحرب، مؤكدًا أن الحوثيين 'لن يسمحوا للولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام البحر الأحمر منطلقا للهجوم على إيران.'
هرمز مغلق والبحر الأحمر على الحافة
يكتسب هذا التطور خطورته المضاعفة من السياق الاقتصادي المحيط به؛ فبينما تبقي إيران قبضتها الخانقة على مضيق هرمز الذي يتوقف عليه نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، باتت ناقلات الخليج تضطر إلى تحويل مسارها نحو مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، مما جعل هذا الممر الضيق الذي لا يتجاوز عرضه 32 كيلومترًا يتحمل ضغطا استثنائيا لم يشهده من قبل.
ويعد باب المندب بوابة الوصول إلى شمال أفريقيا وأوروبا من المحيط الهندي، إذ يعبر منه نحو ربع تجارة الحاويات العالمية في طريقه بين آسيا وأوروبا، وهو ما يجعل تهديده مسا مباشرًا بشريان الاقتصاد العالمي. ويملك الحوثيون من مواقعهم الجبلية المطلة على البحر الأحمر ترسانة متكاملة من الصواريخ والطائرات المسيرة أثبتت قدرتها في حرب غزة على تعطيل حركة الملاحة الدولية.
سابقة موثقة وخسائر مؤكدة
وسبق أن شن الحوثيون بين نوفمبر 2023 ويناير 2025 هجمات على أكثر من مئة سفينة تجارية بالصواريخ والمسيرات، أغرقوا منها سفينتين وأودوا بحياة أربعة بحارة، مدعين أن هجماتهم جاءت دعمًا لحركة حماس في غزة. وكانت تداعيات تلك الحملة قد أجبرت شركات الشحن الكبرى على تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا، مما زاد تكاليف الرحلات وأمدادها بصورة حادة على الخطوط الرابطة بين آسيا وأوروبا.
أما التداعيات المحتملة لجولة جديدة فتتجاوز ذلك بمراحل؛ إذ تشير التقديرات إلى أن تحويل السفن نحو رأس الرجاء الصالح يرفع تكاليف وقود الناقلات العملاقة بين 500 ألف ومليون دولار لكل رحلة، فضلًا عن إضافة ما بين عشرة وأربعة عشر يومًا إلى أوقات العبور بين آسيا وأوروبا، في حين قد ترتفع تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 15 و25% على الخطوط المتضررة.
تطور 'مدمر لدول كثيرة'
وقالت مجموعة الأزمات الدولية، إن هجمات الحوثيين على السفن لن ترفع أسعار النفط فحسب، بل ستزعزع 'أمن الملاحة البحرية برمته'، مضيفة: 'لن يقتصر الأثر على سوق الطاقة.' وذهب محللو مجموعة الأزمات إلى أبعد من ذلك في تحذيرهم: 'سيكون مدمرًا لدول كثيرة. إذا رأينا مزيدًا من الضغط على الإيرانيين أو أي تصعيد، سينقض الحوثيون بشراسة.' وتنظر أوروبا إلى هذا المشهد بقلق مضاعف؛ إذ تعتمد الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اعتمادًا كبيرًا على الغاز الطبيعي المسال الذي تعبر ناقلاته البحر الأحمر بصفة منتظمة لتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع وتدفئة المنازل.
الرهان السعودي المكشوف
ثمة بُعد إقليمي بالغ الحساسية في هذه المعادلة؛ فمنذ إغلاق هرمز، باتت المملكة العربية السعودية تضخ ملايين براميل النفط يوميًا عبر باب المندب، وهو المنفذ الأخير الآمن لصادراتها النفطية. وإذا انقطع هذا المنفذ، فقد تجد الرياض نفسها مضطرة إلى مراجعة حيادها الحذر الذي حرصت على الحفاظ عليه منذ اندلاع الحرب؛ إذ يرى المحللون أن 'الحياد الحذر في الحرب' قد ينهار، وأن الرياض قد تفكر في رد فعل 'ولو محدود'.
ويرجح فارع المسلمي، الباحث في معهد تشاتام هاوس البريطاني، أن دخول الحوثيين على الخط 'يمثل تصعيدا خطيرا مثيرا للقلق العميق'، وأن انخراطهم يخاطر بـ'توسيع حرب متقلبة أصلًا، مع تداعيات بالغة' على الاستقرار الإقليمي والتجارة العالمية.
ويقف البحر الأحمر الذي شهد في الفترة بين 2023 و2025 أولى فصول أزمة الشحن الحديثة، اليوم على أعتاب فصل أكثر قتامة — وهذه المرة في ظل مضيق هرمز المغلق ومضيق باب المندب المهدد، في تطور مثير يعيد رسم خرائط التجارة العالمية من جديد.


































