اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٣ شباط ٢٠٢٦
متخصصون يرون المقترح خطوة إنسانية لإنقاذ مصابي الحروق ويوفر أموال الدولة المُهدرة على الاستيراد لكن يبقى التساؤل لماذا لا يتبرع المصريون بأعضائهم على رغم الإباحة الدينية؟
أحدث مقترح برلماني في شأن تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية والتوسع في التبرع بالجلد بعد الوفاة لحالات الحروق من الدرجات المتقدمة وتسهيل إجراءات التبرع بها جدلاً واسعاً في أوساط الرأي العام المصري، وتباينت الرؤى والتعليقات حوله، ما بين مؤيد يراه بمثابة خطوة إنسانية تفتح أبواب الأمل لإنقاذ أرواح مصابي الحروق الشديدة الخطورة، ومعارض يعتقده 'انتهاكاً واعتداءً على حرمة الموتى'.
واستندت النائبة بمجلس الشيوخ المصري أميرة صابر في اقتراحها الموجّه إلى وزير الصحة والسكان إلى أنها تستهدف 'تعزيز ثقافة التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة لإنقاذ حياة ملايين المرضى عبر إنشاء آلية منظمة للتبرع بالأنسجة البشرية وتفعيل دور بنوك الأنسجة لتوفير الجلد اللازم لعلاج حالات الحروق الحرجة وبخاصة بين الأطفال'، لا سيما أن نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية من الأطفال، مشيرة إلى أن الهدف ليس تجارياً بل هو إنساني بحت يهدف لوضع إطار قانوني وأخلاقي للقضاء على تجارة الأعضاء ولا يتعارض مع نصوص الدين.
واعتبرت النائبة أنه حان الوقت لتطوير القانون الحالي المنظم لزراعة الأعضاء رقم 5 لعام 2010، بما يتماشى مع الفتاوى الشرعية التي تعتبر التبرع بالأعضاء عملاً نبيلاً وجائزاً، لافتة إلى أن المقترح يستهدف وقف الاعتماد على الاستيراد الذي تصل تكلفته إلى مليون جنيه للحالة الواحدة، واستبداله بمنظومة وطنية مستدامة تنقذ مئات الأطفال المصابين بحروق شديدة سنوياً، وتوفر على الدولة ملايين الجنيهات المهدرة في الاستيراد.
وصاحب المقترح سجال واسع بين قطاع عريض من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، فبينما وصفه البعض بأنه سيُحدث نقلة نوعية، لا سيما في ظل النقص الحاد بالأنسجة الجلدية داخل المستشفيات الحكومية، وسيسهم في تقليل نسب الوفيات والمضاعفات الخطرة وتخفيف العبء المالي عن أسر المرضى والدولة، هاجمه آخرون معتبرين أنه يتعارض مع الثقافة المجتمعية وسيؤدي إلى تشوّه الجسد نتيجة ما سمّوه 'السلخ بعد الممات'، بحسب تشبيههم.
أيضاً، اشتبك مع هذا الطرح عدد من الشخصيات العامة والحقوقيين والإعلاميين، إذ اعتبر الدكتور خالد منتصر حالة الهجوم من البعض على صاحبة المقترح أنها تعكس 'جهلاً شديداً بثقافة التبرع الإنسانية وتعبر عن تدهور شديد في العقل المصري الذي أصبح يستقبل الأشياء بالتنمر والهجوم وبدلاً من تحية النائبة، هوجمت ببشاعة وصارت هدفاً لسهام المتطرفين والعقلية السلفية الجامدة'، في المقابل انتقد الإعلامي محمد على خير المقترح، قائلاً: 'ليه (لماذا) تنتظروا لمّا نموت.. إحنا نتبرع بجلودنا أحياء.. وننتظر أن تكون النائبة قدوة لنا وتكون أول المتبرعين'، مما دفع النائبة للرد عليه، قائلة 'كتبت وصيتي للتبرع بالجلد وأعضائي وسأوثقها في أقرب وقت ممكن'.
وفي خضم تلك المعارك الجانبية، أعلن متحدث وزارة الصحة المصرية الدكتور حسام عبدالغفار في تصريحات تلفزيونية أخيراً دعمه للمقترح، قائلاً 'الأطفال المصابون بحروق يحتاجون إلى تدخلات طبية عاجلة، لا يمكن أن تجري إلا من خلال عمليات زرع الجلد، وأن معدلات الإصابة بالحروق خصوصاً لدى الأطفال بالمنازل، مرتفعة مقارنة بالدول المجاورة'.
وأوضح عبدالغفار أن التبرع بالجلد بعد الوفاة 'لا يسبب التشوهات، لأن ما يعزل منه مجرد طبقة رقيقة لا تتجاوز الميلليمترات من المناطق غير الظاهرة'، موضحاً أن الوزارة أعلنت منذ أكثر من عامين عن خطة تطوير معهد ناصر وإنشاء 'مدينة النيل الطبية'، التي تتضمن إنشاء مركز متكامل لزراعة الأعضاء، يشمل قواعد بيانات وبنية تنظيمية متكاملة، إضافة إلى بنوك للأنسجة، من بينها القرنية والجلد.
وفي سبتمبر (أيلول) 2022، وجّه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بإنشاء أكبر مركز إقليمي لزراعة الأعضاء في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا داخل تلك المدينة الطبية الجديدة، بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة، بهدف إنشاء منظومة متكاملة، تشمل قاعدة بيانات مميكنة لعمليات الزرع والمرضى والمتبرعين.
الحديث المتأرجح بين القبول والرفض في شأن التبرع بالجلد بعد الوفاة، أعاد للأذهان الجدل الواسع في شأن التبرع بالأعضاء، الذى أجازته مصر عام 2010، وأصدرت قانوناً لتنظيمه، سمح بالتبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة، شريطة ثبوت الوفاة طبياً ووجود موافقة موثقة من المتوفى قبل وفاته أو من ذويه، مع تأكيد منع وتجريم أي صورة من صور الاتجار، لكنه واجه معوقات وعقبات كثيرة في تطبيقه ولم يتم تفعيله على نطاق واسع، مما انعكس سلباً على قدرة المنظومة الصحية في توفير أنسجة بشرية للمرضى المحتاجين.
يتوافق ذلك مع ما صرّح به الدكتور محمود المتيني، رائد زراعة الكبد بمصر والشرق الأوسط، الذي أدلى بتصريحات أخيراً، وتطرق إلى صعوبات التبرع بالأعضاء على رغم صدور القانون بعد 13 عاماً من الحوار المجتمعي والحصول على موافقة الأزهر والكنيسة والجهات الرسمية، مرجعاً ذلك إلى 'الثقافة المجتمعية السائدة'، وأيضاً معوقات الشهر العقاري، التي تتطلب أن يتوجه الشخص في حياته لتلك المصلحة الحكومية ويوثق رغبته في التبرع بأعضائه بعد الوفاة، على رغم أن الوسيلة الأيسر أن يجري إدراج رغبة التبرع ضمن وثائق رسمية يحملها المواطن بصورة طبيعية مثل، بطاقة الرقم القومي أو رخصة القيادة.
وأجازت دار الإفتاء المصرية 'نقل الأعضاء من الميت إلى الحي بالمحددات الشرعية والضوابط المراعية، التي تقوم على التحقق من موت المنقول منه موتاً شرعياً ومفارقته للحياة مفارقة تامة مع اشتراط أن يكون المتوفى المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل في حياته، وهو في كامل قواه العقلية، ومن دون إكراه مادي أو معنوي، وأن يكون عالماً بأنه يوصي بعضو معين ينزع من جسده بعد مماته، وألا يؤدي النقل إلى امتهان لكرامة الآدمي'.
وعن الأبعاد الطبية للمقترح وجدوى التنفيذ، يقول الدكتور أحمد بحلس، استشاري جراحة التجميل والجراحة الميكروسكوبية بمعهد ناصر، إن مقترح بنوك الجلد يمثل بارقة أمل لكثير من مرضى الحروق والقرح المزمنة، ويسهم في إنقاذ حياة عدد كبير منهم، منوهاً إلى أن تلك البنوك مُطبقة في بلدان العالم المتقدمة ومعترف بها ولديها تشريعات تجيز ذلك الأمر.
ونوه بحلس، الذي يشغل أيضاً منصب عضو مجلس النقابة العامة للأطباء، خلال حديثه إلى 'اندبندنت عربية'، أن الجدل الدائر في شأن التبرع بالجلد يذكره بـ'الزوبعة'، بحسب قوله، التي أثيرت في فترة سابقة في شأن 'التبرع بالقرنية'، وكانت تمثل طوق نجاة لمرضى 'عتمة القرنية'، لكن حينما اشتد الهجوم توقفت البنوك وتحول الأمل لدى المرضى لكابوس لا سيما لغير القادرين على استيرادها من الخارج عكس الأغنياء.
يتوافق ذلك مع ما أعلنه متحدث وزارة الصحة المصرية الدكتور حسام عبدالغفار، في تصريحات أخيراً، بأنه 'كان هناك بنك للقرنية في القصر العيني بسبعينيات القرن الماضي، وهذه ليست تجربة جديدة على مصر، ومع الأسف الشديد الوعي المجتمعي لمّا ضعف أدى إلى أن تتوقف هذه البنوك عن العمل'.
يضيف بحلس، أن التبرع بالجلد يمثل أحد الحلول الطبية الحديثة، إذ يستخدم الجلد كإجراء موقت لإنقاذ حياة المصاب بالحروق الكبيرة حتى يستقر وضعه الحيوي، ثم يمكن استخدام الجلد الشخصي للمريض في المرحلة النهائية للعلاج، منوهاً إلى أن الجلد المتبرع به يستخدم في حالات الحروق العميقة والقرح العنيدة التي لا تلتئم بسهولة، لافتاً إلى أن إنشاء بنك للجلد يمثل الركيزة الأساسية لضمان توافر الجلد بصورة آمنة ومنظمة، بينما يعد استخدامه طبياً في العلاج أمراً بسيطاً نسبياً بمجرد توافره.
ويرى عضو النقابة العامة للأطباء، أنه يجب التفرقة بين مصطلح 'التبرع بالجلد' و'زراعته'، موضحاً أن فكرة التبرع بالجلد طبياً تعتبر خياراً موقتاً يجري وضعه على الجزء المحترق للمريض لحين استقرار حالته الصحية ثم إزالته لاحقاً، لأن الجسد لا يقبله فترة طويلة، عكس عمليات زراعة الأعضاء.
ويضيف، أن استخدام الجلد المتبرع به يُسهم في تسريع عملية الالتئام وتقليل الألم وأخطار العدوى، إذ يعمل كغطاء حيوي يحفز نمو الأنسجة تحت الجلد، مهيئاً الأرضية لإجراء الرقعة النهائية، منوهاً إلى أن التحدي الأكبر يكمن في الحصول على الجلد ومعالجته بطرق علمية صحيحة لإتاحته للاستخدام الطبي، لا في عملية استخدامه نفسها، التي تعد سهلة نسبياً للفريق الطبي المتخصص.
ويُشدد بحلس على ضرورة تكثيف التوعية المجتمعية لإزالة الوصمة المرتبطة بالتبرع بالأعضاء والأنسجة، يليها العمل على اختيار أماكن مناسبة لإنشاء بنوك للجلد في المناطق الأكثر قابلية لتوافر المتبرعين، بما يسهل سرعة التعامل مع حالات الوفاة وإتاحة الجلد للاستخدام الطبي في الوقت المناسب ونشر ثقافة التبرع والحصول على موافقات سابقة من المواطنين، وبخاصة أن التبرع بالجلد مرتبط بإطار زمني محدد بعد الوفاة.
وعالمياً، قدرت منظمة الصحة العالمية نسبة وفيات الحروق بنحو 180 ألف حالة سنوياً، معظمها في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
يُعضد الطرح السابق الدكتور أحمد خشبة، الرئيس السابق للكونفيدرالية العالمية لجراحات التجميل، موضحاً أن مسألة التبرع بالجلد تخضع لضوابط صارمة ومشددة، فلا يُقبل من متبرعين دون سن الـ18، أو من حالات وفاة تجاوزت ست ساعات، أو من الذين يعانون أمراضاً معدية أو تسمماً دموياً حاداً.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أعلنت وزيرة التضامن الاجتماعي بمصر الدكتورة مايا مرسي أن ملايين الأشخاص يصابون سنوياً بحوادث حروق على مستوى العالم، ومنهم من يفقدون حياتهم في أول 6 ساعات، لعدم وجود أماكن كافية ومجهزة تنقذ حياتهم، وجفاف بسبب سوء التغذية، وعدوى الدم.
ويوضح خشبة لـ'اندبندنت عربية' أن هناك إجراءات ينبغي اتباعها بدقة للحفاظ على سلامة الجلد المنقول، تتمثل في حتمية حفظه وتعقيمه وتغليفه في أجواء مناسبة وبطرق معينة، قائلاً 'لو جرى حفظه بطريقة مناسبة قد يكون صالحاً للاستخدام لأشهر عدة مثل القرنية'.
ويشير خشبة إلى أن المشكلة الرئيسة في مسألة التبرع بالجلد تكمن في التشريع الحالي الذي لا يجيز ذلك، بينما تتيح الدولة استيراده من الخارج، مما يجعل تلك النوعية من العمليات كلفتها باهظة، موضحاً أن 'المشيمة بعد الولادة' كانت تستخدم كأحد بدائل التبرع بالجلد وكإجراء موقت.
ويؤكد خشبة أن الجلد المتبرع به يستخدم مع مرضى الحروق الشديدة التي تتخطى نسبتها الـ60 في المئة على سطح الجلد، لأن المريض تحدث له صدمة، ويفقد سوائل كثيرة من جسده، وحينما يجري وضع الجلد المتبرع به، تهدأ حالة المريض، ويحافظ هذا الجلد على نظافة الجزء المحترق لحين الحصول على جزء 'ترقيع' من جلد المريض فيما بعد، مستشهداً بتجربة مستشفى 'أهل مصر' في علاج مرضى الحروق بالجلد المتبرع التي حققت نتائج إيجابية أخيراً.
وأعلنت الدكتورة هبة السويدي، مؤسس مستشفى 'أهل مصر' لعلاج الحروق، في تصريحات متلفزة أخيراً، إجراء عمليات زراعة جلد متبرع به لـ10 حالات حرجة، بينهم طفلة عمرها 10 أشهر ومريض بنسبة حروق بلغت 75 في المئة، موضحة أن نسبة النجاة من الحروق كانت لا تتجاوز 20 في المئة، لكنها ارتفعت الآن إلى 50 في المئة، مردفة 'رئيس الوزراء أصدر توجيهاته لرئيس هيئة الدواء أن نستورد الجلد'، وجرى تذليل إجراءات الجمارك لضمان وصول الشحنة التي يجب أن تحفظ على درجة حرارة 6 تحت الصفر خلال 24 ساعة فقط حتى لا تتلف.
يتفق أستاذ جراحة التجميل الدكتور عمرو النجاري مع الأطروحات السابقة، موضحاً أن بنوك الجلد ليست فكرة وليدة اللحظة أو مستحدثة، لكنها موجودة في بلدان عدة ومصر مهيأة لذلك، قائلاً 'لو طبقت الفكرة في مصر في إطار قواعد حكومية منظمة وشفافة وبصورة صحيحة ستكون لها آثارها الإيجابية في مرضى الحروق، لا سيما الأطفال'.
ويوضح النجاري، خلال حديثه إلى 'اندبندنت عربية'، أن إنشاء البنك ليس مرتبطاً بالمتوفى فقط، لكن في بعض العمليات الجراحية قد يتخلص الجراح من بعض أجزاء من الجلد أو يجري دفنها، لذلك إذا جرى إنشاء تلك البنوك فستتم الاستفادة من تلك الجلود ووضعها في إطار ضوابط طبية دقيقة، موضحاً أن عملية التبرع بالجلد أشبه بـ'غيار بيولوجي'، يستخدم لمنع حالة المصاب من التدهور الصحي والإفرازات حتى يتعافى ليتم تجهيزه لإجراء العملية.


































