اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ٢٤ أذار ٢٠٢٦
تشير بعض الإحصائيات الحديثة إلى أن نسبة الضربات الصاروخية والمسيرة التي استهدف بها النظام الإيراني بلدان الخليج في الحرب الراهنة بلغت حتى الآن 85% مقابل 15% فقط من الضربات التي استهدفت إسرائيل.
هذا السلوك ليس مجرد ردة فعل عابرة، ولا خياراً اضطراريا تحت مبررات استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، بل ينطوي على عقيدة تاريخية ذات أبعاد دينية وقومية متأصلة في وعي قادة النظام الإيراني ومعظم النخب الثقافية الإيرانية تجاه العرب.
البعد الديني
تنظر معظم النخب الإيرانية إلى الفتح الإسلامي لبلاد فارس -فترة خلافة عمر بن الخطاب- على أنه أول انتصار عربي على الإمبراطورية الفارسية الساسانية، ويصفه بعض المفكرين الإيرانيين على أنه (غزو إسلامي) قضى على الحضارة الفارسية وأقام حضارة عربية بديلة باسم الإسلام، وفي هذا السياق يقول عبدالحسين مؤلف كتاب (قرنان من الصمت) -وهو أحد رواد الحركة الثقافية الفكرية الإيرانية في منتصف خمسينات القرن الماضي- بأن حضارة فارس توقفت عن الصعود لمدة قرنين كاملين منذ دخول الإسلام إلى فارس، وتحولت الديانة الزرداشتية إلى أقلية داخل بيئتها الأصلية قبل الإسلام. ويرى عبدالحسين أن مرحلة (الصمت الفارسي) عادت إلى (الإشراقة) من جديد في نهايات العصر العباسي وتحديداً منذ خلافة المأمون بعد هارون الرشيد.
وعندما قامت الخلافة العثمانية رأى أهل فارس بأن ذلك قد مثل الخروج الأول للحكم الاسلامي من المكون العربي إلى المكون الأعجمي، لكنهم -الفارسيون- يرون أحقيتهم هم وليس الأتراك في حكم العالم الإسلامي، فكانت نشأة الدولة الصفوية في بلاد فارس هي التأويل الشيعي للولاية السياسية، التي تبلورت في فكرة (ولاية الفقيه) و(قائم الزمان)، والتي أعاد الخميني إحياءها بتأسيس النظام الإيراني الحالي.
البعد القومي
ينظر القوميون الإيرانيون اليوم إلى العصر العباسي بأنه عصراً فارسياً قام على أنقاض العصر العربي (الأموي). وفي تلك الفترة -العباسية- ظهرت حركة (الشعوبية) التي تقوم على تفضيل العرق الفارسي على العرق العربي، وينظرون إلى العرب -تحديدا عرب الجزيرة العربية- على أنهم كيان متخلف اجتماعياً وحضارياً، مقابل تميز الفرس وتفوقهم تاريخياً، وأن التفوق الفارسي ليس محصوراً في القدرة على الإنتاج الحضاري فحسب، بل هو تفوق عرقي تكويني.. ولترجمة هذا الشعور المتأصل منذ القدم، قام النظام الإيراني السابق في عهد الشاه رضا بهلولي بتغيير تسمية الدولة الفارسية لأول مرة باسم (إيران) في عام 1935م، وهذه التسمية تعني (أرض الآريين)، والآري في اللغة الفارسية تعني الرجل النبيل أو الشريف، ولا تخفى النزعة العنصرية الاستعلائية في هذه التسمية.
كما يعتقدون أن الفاتحين العرب تآمروا على القومية الفارسية باستهداف أهم مكوناتها الثقافية وهي (اللغة) بإدخال الحرف العربي بدلاً عن الحرف البهلوي الفارسي، حيث تتكون اللغة الفارسية اليوم من (32) حرفاً، منها حروف العربية (28) حرفاً، إضافة إلى أربعة حروف فقط من الحروف البهلوية التي تمثل الأصوات الفارسية التي لم تستوعبها الحروف العربية.
يعتقدون أن تلك كانت مؤامرة، رغم أن إدخال الحرف العربي في اللغة الفارسية كان توجهاً فارسياً بالمقام الأول من قبل مسلمي فارس الذين شاركوا في الفتح الإسلامي، باعتبار اللغة العربية هي لغة القرآن، وليس باعتبارها إحلالاً ثقافياً من قبل العرب ضد الثقافة الفارسية.
الترجمة العملية للأحقاد الفارسية
منذ قيام النظام الإيراني الحالي كانت سياسته الدستورية المتمثلة في (تصدير الثورة) سياسة توسعية في البلدان العربية، فوقفت إيران الحديثة مع الغرب في غزو العراق 2003م وما تلاه من تمزيق طائفي للمجتمع العراقي وإفقار شعبه، كما كرّست نفوذ حزب الله اللبناني ليصبح ثلثاً معطلاً داخل الدولة اللبنانية، وما عاشه لبنان من حروب أهلية وتمزيق اجتماعي وانهيار اقتصادي، كما وقفت إيران بكامل ثقلها في إسناد النظام السوري المستبد، ومجابهة إرادة الشعب السوري في التغيير ومقاومة ظلم الأقلية العلوية النصيرية ضد حقوق أغلبية الشعب السوري، ثم مدت إيران خطوط دعمها العسكري والمالي لجماعة الحوثي الإرهابية في اليمن للانقلاب على الدولة، وتقويض مؤسساتها، وتفتيت المجتمع وهويته طائفيا وثقافيا، والعدوان على جيران اليمن، وبذلك أعلنوا سقوط رابع عاصمة عربية في قبضة فارس، وأصبح الهلال الشيعي دائرةً نار فارسية تطوق الجزيرة العربية وتبتز مصالح دولها.
ورغم أن إيران ترفع شعارات مقاومة (قوى الاستكبار الغربي) والهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، إلا انها -منذ تأسيسها- لم تخض حربا واحدة ضد أمريكا وإسرائيل، بقدر ما تتستر بتلك الشعارات الزائفة لتوسيع نفوذها وهيمنتها في بلاد العرب والمسلمين.
وعندما بدأت امريكا وإسرائيل الحرب على النظام الإيراني -والتي ما زالت مستمرة حتى الآن- جاءت ردة فعل نظام الملالي بالمقام الأول ضد الدول الخليجية وبعض الدول العربية والإسلامية في المنطقة، واستهدفت منشآتها المدنية ومقوماتها الاقتصادية، وما زالت تتوعد بأن الرد على أي اعتداء امريكي اسرائيلي على المنشآت الاقتصادية الإيرانية سيكون ضد منشآت الدول الخليجية رغم إعلان جميع دول الخليج عدم مشاركتها أو تسخير أراضيها للاعتداء على إيران، بل وحاولت معظم الدول الخليجية منع الضربة الغربية ضد إيران عدة مرات.
هذا السلوك العدواني الإيراني ضد جواره الخليجي نابعٌ من عقيدة الحقد التاريخية ضد العرب، وضد الفتح الإسلامي الذي أطفأ نار كسرى في صدر الاسلام، لذلك فليس من المأمول أن تعدل إيران عن سياساتها الانتقامية ضد العرب ما لم تحدث تغييرات جذرية في بنية النظام الإيراني، وإنهاء كافة أذرعها المسلحة في المنطقة العربية، وإسهام الباحثين المنصفين في إيران في تغيير جوهر الثقافة العدوانية المشدودة إلى تفسيرات خاطئة لحوادث التاريخ، وتأسيس عقيدة سياسية جديدة للدولة الإيرانية منضبطة بقيم الاسلام أولاً، وبالقوانين والمواثيق الدولية ثانياً.













































