اخبار اليمن
موقع كل يوم -موقع حيروت الإخباري
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
حسن الكاف
إعادة صياغة الخطاب الديني وتشكيل 'الإسلام المعتدل'
لم يعد 'الاعتدال الديني' في الشرق الأوسط مجرد دعوة أخلاقية نابعة من الداخل، بل أضحى مشروعاً مهندساً في أروقة مراكز التفكير العالمية. وتبرز مؤسسة 'راند' (Rand Corporation) كلاعب أساسي في هذا المضمار؛ فهي ليست مجرد مركز أبحاث مستقل، بل هي 'مطبخ' لاستراتيجيات القوة الناعمة التي تسعى لتشكيل بيئات دينية تتوافق مع المصالح الدولية تحت لافتة 'دعم الإسلام المعتدل'.
استراتيجية راند: من التحليل إلى التشبيك
منذ مطلع الألفية، وتحديداً في تقارير مفصلة مثل 'بناء الشبكات الإسلامية المعتدلة' Building Moderate Muslim Networks، رسمت 'راند' خارطة طريق تتجاوز رصد الواقع إلى صناعته. تقوم هذه الاستراتيجية على تصنيف التيارات الدينية وتحديد من يستحق الدعم أو الاحتواء. الهدف النهائي هو بناء شبكات تضم علماء ومفكرين يتبنون خطاباً يتسق مع قيم الانفتاح الغربي، ومواجهة التيارات التي ترفض الهيمنة، عبر برامج تدريب وتأهيل للقيادات الدينية الشابة، وتمويل منصات إعلامية تعيد تقديم الدين برؤية 'معدلة'.
تقاطع الأدوار: 'راند' و'طابة' والانسجام الفكري
في هذا المشهد، يبرز دور 'مؤسسة طابة' كفاعل محلي يتقاطع في مساراته مع أهداف 'راند'. فبينما يستند 'راند' إلى فكرة 'إدارة التنوع الديني' لخدمة الاستقرار السياسي، تتبنى 'طابة' خطاباً يركز على 'التجديد' و'السلم المجتمعي'. هذا التقاطع يتجلى في مستويين:
بناء الشبكات: كلاهما يركز على 'تشبيك الفاعلين'؛ 'راند' من منظور استراتيجي، و'طابة' عبر مؤتمرات ومنصات حوارية تجمع شخصيات دينية مؤثرة.
وحدة الموضوعات: ثمة تشابه ملحوظ في القضايا المطروحة (مواجهة التطرف، تطوير الخطاب)، حيث ينتجها 'راند' كسياسات لصناع القرار، وتقدمها 'طابة' بلغة دينية تجعلها أكثر قبولاً في السياق المحلي.
من التحليل إلى إعادة الصياغة: قراءة نقدية
تتجلى ذروة هذا التداخل في قيام 'مؤسسة طابة' بتقديم ملخص تحليلي لتقرير 'راند' الصادر عام 2007. هذا الفعل ليس مجرد جهد أكاديمي، بل هو عملية 'تأويل وانتقاء' تهدف إلى تقديم التيار الصوفي التقليدي كبديل استراتيجي وحائط صد طبيعي ضد ما يسمى بالتطرف. تحاول 'طابة' هنا امتلاك الأدوات الاستراتيجية ليكون التيار الصوفي هو القائد للمبادرات، لكن النتيجة تظل واحدة: تحقيق ذات الأهداف التي رسمتها 'راند' بصبغة محلية.
الترجمة الثقافية وإشكالية الاستقلالية
إن ما تقوم به 'طابة' هو 'ترجمة ثقافية'؛ فالأفكار التي ولدت في بيئة سياسية غربية، يتم إعادة إنتاجها بلباس ديني ولغة تراثية، مما يمنحها شرعية أكبر ويقلل من حساسيتها. هذا الدور يضع 'مؤسسة طابة' في موضع 'الوسيط المحلي' الذي يحول اللغة الاستراتيجية الجافة إلى خطاب 'أصيل' ظاهرياً، لكنه يتحرك ضمن الإطار المفاهيمي الذي وضعه 'راند'.
خاتمة:
يضع مشروع 'الشبكات الإسلامية المعتدلة' – بعبارة أصح المعدلة – 'الاعتدال والوسطية' كخنجر في ظهر المقاومة
إن مشروع 'هندسة الاعتدال' الذي ترعاه 'راند' وتسوّقه 'طابة'، ليس إلا ذراعاً ناعمة للاحتلال والهيمنة، صُمم خصيصاً لتفكيك الحواضن الشعبية للمقاومة وتسميم الوعي الجمعي عبر:
تجريد المقاومة من شرعيتها وتسطيح القضية: بتصوير قوى المواجهة في غزة ولبنان وإيران كأدوات 'عدم استقرار'، وتحويل الصراع من 'حق وقرآن' إلى مجرد 'أوراق ضغط' وتكتيكات إقليمية في صراع نفوذ سياسي.
هذا التزييف المتعمّد يهدف لإقناع العقل المسلم بأن المعركة مقامرة سياسية 'لا ناقة له فيها ولا جمل'، مما ينزع القدسية عن قضية فلسطين ويحولها من قضية أمة مركزية إلى 'ملف مخابراتي' يُناقش في الغرف الدولية.
تخدير الشعوب بالروحانية الباردة: عبر إحلال 'التصوف الطرقي' والتدين السطحي بدلاً من 'إسلام الجهاد والممانعة'.
إن ترويج هذا الخطاب في ذروة المواجهة الحالية ليس صدفة، بل هو انخراط صريح في 'حلف الاعتدال العربي' الساعي لتصفية المقاومة كضرورة استراتيجية لدمج الكيان الصهيوني في المنطقة بلا عوائق أخلاقية أو دينية.
باختصار: إن 'طابة' وأربابها لا يُصلحون الدين، بل يُهندسون الهزيمة؛ عبر صناعة إنسان منزوع الأظافر يتقبّل التبعية باسم الاعتدال ويغسل يديه من دماء الأمة بتبريرات واهية .
لتحويل المسلم من مرابط في الثغور إلى درويش في زوايا الاستسلام، لا تعنيه القدس ولا السيادة، ويرى في قنبلة العدو 'قدراً' وفي صرخة المقاوم 'فتنة'.













































