اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
أمين الساطي*
أنا عامل بسيط، طول النهار أركّب سيراميك على الجدران. مصلحة ورثتها عن أبي، مثل ما ورثت منه السعال وعادة التدخين.
الدخل ممتاز أيام الشغل، لكن الشغل صار في البلد مثل السياسة، يوم موجود، وعشرة غياب. البلد غير مستقر، وبالتالي فأنا غير مستقر، والمعادلة بسيطة لا تحتاج إلى توضيح.
المقهى مقبرة العاطلين. هناك كل شيء موجود ورخيص: المعسل المطعّم بحشيش، الكبتاجون، منشطات تجعل قلبك يعدو كأنه في ماراثون، بينما جسدك متسمّر مع القطيع، لتصبح واحدًا منهم. هلوسة لن تؤدي لا إلى بطولة ولا إلى قرار ينقذ البلد.
الخميس الماضي بالذات جلست العصر في المقهى، سحبت 'راسين معسل' مضروب. جسمي صار مثل صبة الباطون. كسلان لدرجة لم أعد أستطيع متابعة المباراة على التلفزيون، فبلعت حبتين كبتاجون لكي أغالب شعوري بالاسترخاء.
حدقتا عيني توسعتا، ودبّ فيّ النشاط. وفجأة، البلد صار له صوت ثانٍ، صوت ما يسمعه الشخص العادي، صوت يقول:
'الأمور خربانة. مثل ما اختار الله نابليون لينقذ فرنسا، القدر اختارك أنت هذه المرة لتنقذ بلدك'.
وقفت. شعرت بثقل التاريخ على كتفي. أنا، عامل السيراميك، المنقذ المنتظر. خرجت من المقهى أمشي كأني قائد جيش التحرير. الشوارع كانت تميد، ووجوه الناس تصير خرائط. كنت جاهزًا لأكتب البيان رقم واحد.
وصلت البيت. فتحت الباب وأنا أصرخ: 'يا أم علي، جهزي الشنطة، رايحين نحرّر البلد'.
أم علي لم ترد. كانت واقفة أمامي في الصالة، وفي يدها ورقة مطوية أعطتني إياها من دون كلام.
فتحتها، 'إلى السيد المنقذ المحترم. نأسف لإبلاغكم أن طلبكم لتسلّم مهام إنقاذ البلد قد رُفض. السبب: رصيدكم في بطاقة التموين لا يكفي لتغطية مصاريف ثورة. نرجو مراجعة فرع البلدية يوم الأحد مع صورة عن الهوية ودفتر العائلة وصورتين شخصيتين بخلفية بيضاء'.
التوقيع: 'لجنة الفوضى المركزية ــ قسم الموارد البشرية'.
جلست على الأرض. مفعول الحبتين بدأ يضعف، وحدقتا العينين رجعتا طبيعيتين. والصوت الذي سمعته اتضح أنه صوت مروحة السقف وهي تخبط الهواء.
ثاني يوم رجعت أركّب سيراميك. لكن هذه المرة كنت أشتغل بدقة أكثر. لأني اكتشفت شيئًا: الفوضى عندنا منظمة أكثر من الدولة. حتى الهلوسة تحتاج معاملة وطوابع.
الأحد جاء أثقل من كيس الإسمنت.
غسلت وجهي، وارتديت أفضل ما عندي، وأخفيت الورقة في جيبي الداخلي. صورتان شخصيتان بخلفية بيضاء كلفتاني ثمن شراء معسل ليومين. دفتر العائلة كان عليه بقعة زيت من ورشة والدي. الهوية متشققة بالكاد يمكن قراءتها. كل أوراقي تقول إني غير صالح لإنقاذ بيتي، وليس بلدي.
مبنى البلدية مزدحم بالناس، كأنهم يوزعون جوازات سفر بالمجان لتحريض المواطنين على الهرب. طوابير، وصراخ، وطوابع، وموظف يدور مثل درويش يوزع الأرقام. أعطاني رقم: 347. اللوحة تقول: الدور الحالي 12.
ثلاث ساعات وأنا واقف. الحبتان من يوم الخميس الماضي ما زال لهما طعم معدني في لساني. كلما رأيت موظفًا تخيلته نابليون يلبس بدلة سكرتارية.
أخيرًا جاء دوري: 'رقم 347، شباك 6'.
الموظف لم يرفع عينه. بشعره المزيّت، فنجان قهوة على يمينه، وكومة ملفات على يساره.
مدّدت له الورقة: 'لجنة الفوضى المركزية'.
قرأها. لم يبتسم. ولم يستغرب. ختمها مرتين، ختم ثالث للاحتياط، وقال: 'ناقصة'.
'ناقصة إيش؟ جبت كل شيء طلبتوه'.
'براءة ذمة من نقابة عمال السيراميك. وإثبات أنك لم تحرر أي بلد من قبل بدون ترخيص'.
ذهبت إلى نقابة عمال السيراميك، صعدت إلى غرفة فوق دكان بياع الفلافل. الريّس كان نائمًا. أيقظته، ختم لي الورقة وأخذ مني 2000 ليرة ثمن 'طابع ثوري'.
رجعت البلدية. رقم جديد: 619. الدور الحالي 348.
حان آذان المغرب وما زلت واقفًا. أُغلق شباك 6. قالوا: 'تعال غدًا. اليوم خلصنا إنقاذ'.
الاثنين عدت. الطابور نفسه، الوجوه نفسها، والرائحة نفسها. وصلت الشباك. موظف ثانٍ.
'هذه الورقة قديمة. صار عليها خميس وجمعة وسبت. لازم طلب جديد'. انكسر شيء في داخلي، لكنني لم أُبِينه. 'طيب أعطني طلبًا جديدًا'.
أعطاني نموذج رقم ف/3: 'طلب ترشيح لمنصب منقذ مؤقت ــ فئة ج'.
ملأت الاستمارة: الاسم، المهنة، سبب الرغبة بالإنقاذ: 'الضجر'.
ختمه، وضعه في ملف أزرق، رمى الملف في جبل ملفات وراءه، وقال: 'راجعنا بعد 6 أشهر. إذا البلد لسه موجودة، نتصل بك'.
خرجت من البلدية. الشمس كانت على وشك الغروب. المقهى على الزاوية يناديني. القطيع جالس. الشيشة جاهزة.
جلست. لم أطلب معسلًا مضروبًا. طلبت شايًا.
أبو محمد سألني: 'هل حررتنا؟'.
فقلت له: 'قدمت طلبًا. وقالوا يردون عليّ إذا ظلّ في بلد'.
ضحك. ضحك القطيع كله. وأنا ضحكت معهم.
بعد أسبوع، وصلني ظرف رسمي من البلدية. فتحته وأنا أرتجف. في داخله تعيين.
لكن ليس 'منقذ بلد'.
'بناءً على كفاءتكم في الوقوف بالطوابير، وخبرتكم في التعامل مع الفوضى، تقرر تعيينكم: مسؤول طوابير في شباك 6 ــ قسم طلبات الإنقاذ. الدوام من 8 إلى 2. الراتب: طابعان في اليوم + بدل معسل'.
ثاني يوم داومت. جلست في مكان الموظف ذي الشعر المزيّت. صارت الناس تقف أمامي. يمدون لي أوراقًا: 'طلب إنقاذ بلد'، 'طلب إنقاذ حارة'، 'طلب إنقاذ زواج'.
أختمها، وأقول: 'ناقص براءة ذمة. راجعنا بعد 6 أشهر'.
الخميس الماضي، جاء شاب حدقتا عينيه واسعتان بتأثير الشيشة. رمى لي ورقة، قائلًا: 'اختارني القدر لأنقذ البلد'.
تطلعت فيه. ابتسمت. ختمت الورقة ثلاث مرات، وأعطيته نموذج ف/3.
قلت له: 'راجعنا إذا ظل في بلد'.
لأن الفوضى لم تكن مرضًا. كانت وظيفة. وكلنا موظفون فيها... لكن برواتب مختلفة.
* كاتب سوري.













































