اخبار اليمن
موقع كل يوم -المشهد اليمني
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
ما من شك أن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم يهيئ لتغييرات استراتيجية سياسياً واقتصادياً وأمنيا. وفي اليمن يتردد سؤال مهم: وهو هل تغتنم الحكومة اليمنية فرصة التغيرات الجوهرية الحاصلة في المواقف الدولية والإقليمية، إزاء إيران وميليشياتها في المنطقة؟
في 2018 كانت القوات المشتركة تتقدم بثبات باتجاه مدينة الحديدة ومينائها الاستراتيجي، حيث يتحصن الحوثيون، وقد دخلت القوات المهاجمة المدينة من مدخلها الشرقي، ثم التفت حول المدينة لتصل إلى مينائها الذي لم يكن يفصل القوات عنه إلا ثلاثة كيلومترات. كان الظرف الدولي حينها غير مواتٍ، وكان كثير من الفاعلين الدوليين ينظرون إلى الحرب على أساس أنها “عدوان سعودي” على اليمن، غير مدركين لحقيقة ميليشيات الحوثي، وارتباطها بإيران، وخطرها على الأمن الدولي، وأمن الملاحة البحرية، بشكل خاص، وهو ما أدركه العالم لاحقاً، مع استهداف الحوثيين، لطرق الملاحة في البحرين: الأحمر والعربي، وفي مضيق باب المندب، بعد أن كانت القوى العظمى والأمم المتحدة، قد ضغطت لوقف المعركة حينها.
والشأن ذاته يمكن أن يقال عن منع تقدم القوات اليمنية نحو صنعاء، بعد أن تجاوزت سلسلة جبال فرضة نهم الاستراتيجية باتجاه صنعاء، وأصبحت على مسافة قريبة من مطار العاصمة، غير أن الحسابات الدولية حينها لم تكن في وارد السماح بسقوط الحوثيين، للأسباب ذاتها التي أوقفت معركة الحديدة، على أبواب المدينة.
والواقع أن المزاج الدولي تغير تجاه الحوثيين، قبل استهدافهم لخطوط الملاحة، بعد أن استمر رفض الحوثيين لكل مبادرات السلام، وبعد أن توالت التقارير الدولية والأممية التي تتحدث عن جرائم بشعة يرتكبونها في حق اليمنيين، سواء في السجون السرية، أو بالاستهداف المتعمد بآلة الحرب، أو بحرب التجويع التي تمارسها تلك الميليشيات، ضد اليمنيين، في مناطق سيطرتها.
واليوم، ومع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران تتاح أمام الحكومة اليمنية فرصة تاريخية، لاستعادة الدولة، وطرد ميليشيات الانقلاب الطائفي من العاصمة صنعاء، مع تهيؤ ظروف مناسبة، لعملية محكمة تؤدي إلى طرد تلك الميليشيات التي رفضت كل الحلول المطروحة للسلام، منذ مفاوضات جنيف واحد وجنيف اثنين، والكويت، واستوكهولم، وعمان ومسقط، عدا عن الكثير من المحاولات الداخلية للوصول إلى حل.
تتمثل الفرصة في أن هذه الميليشيات بفعل سلوكها العدواني قد أوصلت اليمنيين في مناطق سيطرتها إلى حالة من الغضب المكبوت الذي ينتظر أية فسحة أمل للتخلص من سيطرة ميليشيات أخذت منهم ما هو حق للدولة، ولكنها لم تقم بواجبات الدولة، وظلت تتعلل بكل مبرر للتملص من واجبات والتزامات أية سلطة حاكمة، واستمرت تقول بأن مرتبات الموظفين يجب أن تصرفها المملكة العربية السعودية.
وقد اندلعت خلال السنوات الماضية انتفاضات ومحاولات سلمية وعسكرية، داخل مناطق سيطرة الحوثيين، للتخلص من حكم الميليشيات، غير أن تلك المحاولات تم القضاء عليها بوحشية، ما ضاعف الحنق المكبوت، ضد تلك الميليشيات.
وفي 2017، وبمجرد خطاب واحد من الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، يطلب من المواطنين الانتفاضة، ضد تلك الميليشيات هرب عناصرها، وخرج المواطنون في صنعاء، يلاحقون تلك العناصر، ويزيلون شعارات وملصقات الجماعة، الأمر الذي اضطرها لمغادرة صنعاء، خلال يوم واحد. ولو وجدت تلك الانتفاضة الدعم اللازم، لما تمكن الحوثيون من العودة بمئات الأطقم العسكرية، واستعادة صنعاء، بعد أن اطمأنت إلى أن أي تدخل لن يحدث.
وهناك عامل آخر، يتعلق بحالة الضعف والإنهاك التي تمر بها تلك الميليشيات، بسبب حروبها المستمرة، وبسبب استهداف مخزونها من الأسلحة الإيرانية التي ضربت بشكل دقيق، أثناء العمليات ضدها، بعد استهدافها لطرق الملاحة الدولية، وهذا الاستنزاف، بالإضافة إلى خشية قياداتها، من استهدافهم، بشكل مباشر، في حال دخلوا المعركة الحالية مع إيران، هذا الاستنزاف، وهذه الخشية من استهداف القادة، هما ما يمنع الميليشيات من دخول المعركة الحالية، وما يهيئ الظروف، لإسقاط سلطة الحوثيين، بالقوة، بعد أن رفضوا كل الحلول السلمية التي وصلت بالفعل إلى طريق مسدود، في الوقت ذاته الذي تم الترويج فيه إلى أن الحل العسكري، قد وصل على طريق مسدود، في حين أن الحل السياسي هو الذي وصل إلى طريق مسدود، إذ لم تتح للحل العسكري الفرصة الجدية، بفعل عوامل داخلية وخارجية، لم يعد معظمها قائماً اليوم.
وأما عن المجتمع الدولي فإن مواقفه تغيرت بشكل كبير، بعدما تبين أن هذه الجماعة تشكل خطراً جدياً على الأمن الدولي، وأمن الملاحة البحرية، بشكل خاص، دون أن يعني ذلك ضمان وقوف المجتمع الدولي مع أية خطوة تخطوها الحكومة باتجاه صنعاء، ولكن العراقيل السابقة التي كانت توضع في وجه الحكومة والتحالف، في هذا الخصوص، لن تكون موجودة، بالشكل الذي كانت عليه، في السنوات الماضية.
ومع احتياج الإدارة الأمريكية الحالية إلى إحداث اختراق في الشرق الأوسط، والتسويق لنجاح ما، فإن الساحة اليمنية مؤهلة لأن تكون محل هذا النجاح، بالتخلص من أحد أذرع إيران الخطيرة في المنطقة، وهي الذراع التي تهدد الملاحة في باب المندب، حسب تهديدات القادة الإيرانيين.
وسيعد النجاح الذي سيتحقق في اليمن نجاحاً للحكومة اليمنية وللتحالف والمملكة العربية السعودية تحديداً، وسيحسب نجاحاً للإدارة الأمريكية الحالية، حيث سيستطيع الرئيس دونالد ترامب تقديم انتصار اليمنيين على ميليشيات إيران، على أنه نجاح لإدارته، في ملف ظل عصياً على النجاح لسنوات طويلة.
وهنا فإن الحكومة اليمنية، وبالتنسيق مع المملكة العربية السعودية معنية بالاستثمار في الفرصة المتاحة، داخلياً وخارجياً، والعمل على تشكيل غرفة عمليات واحدة لكافة القطاعات العسكرية التي تتبعها، وهي قوة لا يستهان بها، ولا ينقصها إلا، القرار السياسي، والتنسيق فيما بينها، لإعادة البوصلة باتجاه صنعاء، التي لن تصمد فيها ميليشيات الانقلاب، بعد أن استنفدت شروط بقائها، داخلياً وخارجياً.
وأما ما يتحدث به البعض عن القوة الصاروخية التي زودت إيران بها الحوثيين، فهذه الصواريخ عديمة الجدوى في المعارك البرية، وهي كما نعرف صواريخ دعائية أكثر من كونها عملية، إذ أن هذه الصواريخ غير دقيقة، والأثر الإعلامي لها أكبر بكثير من آثارها العملياتية.
التاريخ سرد متشابه، وتتابع رتيب للأيام، لا يتميز إلا باللحظة الاستثنائية، والذين غيروا مجراه، هم أشخاص عاديون، غير أنه كانت لديهم القدرة على اقتناص تلك اللحظة الاستثنائية التي لا يكون ما بعدها كما قبلها.
وهذه اللحظة لا تأتي عرضاً، ولكنها تأتي مع جملة من المتغيرات التي تهيئ لمن يريد اقتناصها أن يفعل، تماماً كما فعل رجل ذكي اسمه أحد الشرع الذي اقتنص اللحظة المواتية، وخرج من قبو تحت الأرض في إدلب، إلى منبر الجامع الأموي، في دمشق، ومن ثم إلى منبر الأمم المتحدة، حيث التقى والتقاه رؤساء العالم، وتحول من الإرهابي العالمي أبي محمد الجولاني إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.
فهل أنتم فاعلون؟
*القدس العري













































