اخبار اليمن
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٢ حزيران ٢٠٢٦
أي محاولة للقفز فوق هذا التناقض تبدو أقرب إلى تأجيل الأزمة لا معالجتها لأن الاختلاف غير المعترف به يتحول مع الزمن إلى احتقان صامت يهدد أي مشروع جامع
أتصور أن الخطاب السياسي حين يدخل إلى منطقة الهوية، فإنه لا يعود مجرد تبادل للمواقف أو اختلاف في التصورات، بل يتحول إلى سؤال وجودي يتصل بطريقة تعريف الإنسان لنفسه ولمحيطه وللجماعة التي ينتمي إليها.
ولذلك تبدو العبارات الأخلاقية في ظاهرها مطمئنة، خصوصاً حين تُستدعى القيم الدينية أو الإنسانية بوصفها أرضية جامعة بين المختلفين. بيد أن المشكلة في تقديري لا تبدأ عادة من جمال العبارة، بل من قدرتها على الصمود أمام التناقضات الكامنة خلفها. فالدعوة إلى محبة الآخر، أو إلى التعايش معه، تظل في تصوري ناقصة إذا كانت قائمة على تعريف انتقائي لمن يستحق أن يكون 'أخاً' أصلاً.
وعليه يتحول السؤال من مستوى الأخلاق إلى مستوى البنية الفكرية التي تنتج هذا الخطاب، لأن اللغة حين تُستخدم لتغطية التناقض بدلاً من كشفه، تصبح جزءاً من الأزمة لا طريقاً إلى حلها.
ومن ثم تظهر هنا المعضلة الأكثر تعقيداً: كيف يمكن بناء شراكة سياسية أو مجتمعية مستقرة في اليمن إذا كان تعريف الذات ذاته محل نزاع؟ فالمجتمعات لا تتماسك فقط عبر الجغرافيا أو المصالح الموقتة، بل عبر حد أدنى من التوافق حول معنى الانتماء المشترك.
وحين يكون داخل المجتمع الواحد من يرى نفسه منتمياً إلى فضاء وطني أوسع، في مقابل من يعتبر هذا الانتماء نفياً لهويته الخاصة، فإن الأزمة تتجاوز السياسة اليومية إلى أزمة تصور كامل لفكرة الوطن. ذلك أن الهوية ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل بنية وعي تتشكل عبر 'التاريخ' و'الثقافة' و'التجربة الإنسانية'.
لذلك فإن أي محاولة للقفز فوق هذا التناقض عبر خطاب عاطفي تبدو أقرب إلى تأجيل الأزمة لا معالجتها، لأن الاختلاف غير المعترف به يتحول مع الزمن إلى احتقان صامت يهدد أي مشروع جامع.
لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا أن المشكلة في اليمن لا تكمن في وجود اختلاف داخل المجتمع، فالتعددية في ذاتها ليست خطراً، بل قد تكون مصدر غنى سياسي وثقافي إذا أُديرت بعقلانية وحكمة.
أما الخطر الحقيقي فيبدأ في تقديري حين يتحول الاختلاف إلى معيار للفرز الأخلاقي، بحيث يصبح الانتماء السياسي أو الهوياتي سبباً لتحديد من يملك الحق الكامل في الوطنية ومن يُنظر إليه باعتباره حالة ناقصة أو مشكوكاً فيها.
يفقد 'الخطاب السياسي' هنا توازنه، لأنه ينتقل من محاولة تنظيم التعدد إلى محاولة إخضاعه. وحين يحدث ذلك، لا يعود الوطن إطاراً يتسع للجميع، بل يتحول إلى تعريف مغلق يحتكره طرف واحد ويطالب الآخرين بالدخول إليه وفق شروطه الخاصة.
وهذه في اعتقادي واحدة من أخطر اللحظات التي تمر بها المجتمعات وليس المجتمع اليمني فقط، لأن الانقسام عندها لا يصبح خلافاً على السياسة، بل خلافاً على من يملك حق تعريف الحقيقة نفسها.
ولذلك، فإن الحديث عن 'اللحمة الوطنية' وفق ما يطرحه عدد من الساسة في جنوب اليمن، على سبيل المثال، يصبح إشكالياً حين يُربط بجغرافيا محددة أو بتصور أحادي للهوية. فالوطن، في معناه العميق، ليس مجرد مساحة أرض، بل عقداً معنوياً يتيح للناس المختلفين أن يعيشوا داخل إطار مشترك من دون أن يُطلب منهم التخلي عن تعقيدهم الإنساني. أما حين تتحول الوطنية إلى أداة 'اصطفاف'، فإنها تفقد معناها الجامع وتصبح وسيلة لإنتاج 'الإقصاء' تحت لافتة الانتماء.
يتبدى التناقض هنا بوضوح تام: كيف يمكن الدعوة إلى التوافق مع المختلف، بينما يُنظر إلى بعض الاختلافات باعتبارها غير مشروعة من الأساس؟
إن قبول التعدد لا يُقاس بالخطابات التي تتحدث عنه، بل بقدرة البنية السياسية والفكرية على تحمله فعلياً، حتى حين يكون هذا التعدد مزعجاً أو غير منسجم مع المزاج السائد.
ومن ثم فإن 'أزمة الخطاب السياسي' في هذه الحالة تكمن في الخلط بين المجتمع والكيان السياسي الذي يدّعي تمثيله. فالمجتمعات أكبر دائماً من 'التنظيمات'، وأكثر تعقيداً من 'البيانات'، وأكثر تنوعاً من 'الشعارات' التي تُرفع باسمها. ولهذا يصبح الادعاء بامتلاك تمثيل حصري لقضية مجتمع كامل نوعاً من المصادرة الرمزية لإرادة الناس. ذلك أن الشعوب ليست كتلاً صامتة تنتظر من يتحدث باسمها إلى الأبد، بل كيانات حية تتبدل قناعاتها وفق التحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية.
أما تحويل أي كيان سياسي إلى مرجعية نهائية غير قابلة للنقاش، فإنه يعكس خوفاً من المجتمع أكثر مما يعكس ثقة به، لأن الثقة الحقيقية بالشعوب تظهر في القبول بحرية خياراتها لا في احتكار الحديث باسمها.
لذلك، يصبح من الضروري التمييز بين الحق في الدفاع عن قضية سياسية، وتحويل هذه القضية إلى أداة لإلغاء الآخرين. فالقضايا العادلة لا تحتاج إلى إقصاء المختلف كي تثبت مشروعيتها، لأن قوتها الحقيقية تنبع من قدرتها على إقناع الناس لا من قدرتها على إسكاتهم.
وحين يُبنى الخطاب السياسي على تقسيم المجتمع إلى 'أصلاء' و'خصوم'، فإنه يزرع داخل البنية الاجتماعية بذور صراع طويل الأمد، حتى لو بدا في لحظة ما قادراً على تعبئة الشارع أو تحريك العواطف وتجييشها. ذلك أن المجتمعات التي تُدار بمنطق 'الفرز الهوياتي' تفقد تدريجاً قدرتها على إنتاج الاستقرار، لأن كل طرف يبدأ في البحث عن تعريفه الخاص للشرعية، ومع مرور الوقت تتحول السياسة إلى سلسلة من الاصطفافات المغلقة التي لا تترك مساحة لفكرة المواطنة المشتركة.
ولعل أخطر ما في هذا النوع من الخطابات أنه يستخدم التاريخ بوصفه شاهداً انتقائياً لا بوصفه تجربة إنسانية مركبة. فالتاريخ لا يُقرأ عادة كما هو، بل كما يرغب السياسي في توظيفه. ولهذا يجري أحياناً اختزال عقود كاملة من التحولات والصراعات والتجارب في سردية واحدة مصممة مسبقاً لتبرير موقف حاضر كما في بعض التصورات السياسية التي تربط الهوية بمفهوم الجنوب العربي.
بيد أن المجتمعات التي تبني وعيها على قراءة انتقائية للتاريخ تبقى أسيرة الماضي أكثر من قدرتها على صناعة المستقبل، لأن الذاكرة حين تُستخدم كسلاح سياسي تفقد في تقديري بعدها النقدي وتتحول إلى أداة تعبئة مستمرة.
وعليه، فإن استدعاء المظالم السابقة، مهما كانت حقيقية، لا يكفي وحده لبناء مشروع سياسي عادل ومنصف، ما لم يكن مصحوباً برؤية تتجاوز الرغبة في الثأر الرمزي إلى فكرة الدولة التي تحمي الجميع.
كذلك فإن فشل التجارب السياسية السابقة لا ينبغي أن يُستخدم دليلاً نهائياً على استحالة التعايش أو الشراكة. فالتاريخ الإنساني مليء بتجارب انهارت ليس لأن الفكرة مستحيلة، بل لأن البنية التي حملتها كانت مشوهة، أو لأن العدالة غابت عنها، أو لأن السلطة أفسدت معناها.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: اختزال أي تجربة فاشلة في 'استحالة' التعايش يبدو نوعاً من التبسيط الذي يتجاهل تعقيد السياسة وطبيعة المجتمعات. فالدول لا تنهار دائماً بسبب تنوعها، بل كثيراً ما تنهار بسبب عجزها عن 'إدارة هذا التنوع' بصورة عادلة ومنصفة. وحين تغيب العدالة، يتحول الاختلاف الطبيعي إلى مصدر خوف، بينما يصبح الانتماء نفسه عبئاً بدلاً من أن يكون مساحة أمان مشتركة.
وعليه، فيبرز السؤال الحقيقي الذي غالباً ما يجري الهروب منه: كيف يمكن بناء 'علاقة عادلة ومنصفة' بين الناس، بغض النظر عن الشكل السياسي الذي قد يختارونه مستقبلاً؟
هذا السؤال كما أرى أكثر عمقاً من مجرد النقاش حول 'الوحدة' أو 'الانفصال' أو أي صيغة سياسية أخرى، لأنه يتصل بجوهر العقد الاجتماعي نفسه. إذ لا معنى لأي شكل سياسي إذا كان قائماً على 'الإقصاء' أو 'الاحتكار' أو 'نفي حق الآخرين' في التعبير عن ذواتهم. فالقضية في النهاية ليست في رسم الحدود بقدر ما هي في طبيعة العلاقة الإنسانية والسياسية داخل هذه الحدود. ولهذا فإن المجتمعات التي تفشل في بناء العدالة داخلها، غالباً ما تعيد إنتاج أزماتها مهما تغيرت الأسماء أو الشعارات أو الخرائط.
في نهاية المطاف أرى أن الأوطان لا تُبنى بالعاطفة وحدها، لأن العاطفة بطبيعتها متقلبة وقابلة للاستثارة والاستغلال. ولا تُبنى بالغضب، لأن الغضب، مهما كان مبرراً، يظل عاجزاً عن إنتاج نظام مستقر إذا لم يتحول إلى وعي عقلاني. فالدولة الحديثة ليست انتصاراً لرغبة جماعة على أخرى، بل هي محاولة مستمرة لتنظيم الاختلاف ضمن إطار قانوني وأخلاقي يحفظ التوازن بين الجميع.
ولذلك فإن العقل السياسي الحقيقي لا يقاس بقدرته على رفع الشعارات، بل بقدرته على إنتاج معادلة تتيح للناس المختلفين أن يشعروا بأنهم شركاء في المصير لا خصوم موقتون داخل ساحة صراع مفتوحة.
في الواقع إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات ليس الاختلاف في ذاته، بل فقدان القدرة على إدارة هذا الاختلاف بصورة عادلة. لأن الانقسام حين يتحول إلى بنية ذهنية دائمة، يبدأ الوطن بالتآكل من الداخل حتى لو بقيت الشعارات مرتفعة.
ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من اللغة التعبوية، بل إلى مراجعة عميقة لمعنى 'الوطن'، ولمعنى 'الشراكة'، ولمعنى 'العدالة' التي تجعل الإنسان قادراً على رؤية الآخر بوصفه شريكاً كاملاً لا مجرد حالة قابلة للقبول الموقت.
فالأوطان التي تُبنى على الاحتكار تظل هشة مهما بدت صلبة، أما الأوطان التي تقوم على الاعتراف المتبادل والعدالة والعقل، فهي وحدها القادرة على البقاء وسط التحولات والعواصف.













































