اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
حاورها الكاتب الصحفي والروائي إيهاب مصطفي
- كيف جاءت فكرة كتاب أسرار الكتابة؟
أتت الفكرةُ من فرط حبي وشغفي واهتمامي بعملية الكتابة نفسها. فأنا منذ طفولتي شغوف بالكتابة، كفعل حُبٍّ ونجاةٍ. أحبُّ كل ما له علاقة بالكتابة، أسلوبًا ومنهجًا وطقوسًا وعادات. فأثناء قراءتي لأي عملٍ أدبيٍّ، لا أهتم فقط بالأفكار والموضوعات والأحداث، بل أهتم أيضًا بمُراقبة تدفق كلمات الكاتب في نصِّه، وأدوِّن بصمة روحه فيما يكتب، وأُتابع كيف صاغ أسلوبه وصُوره وأفكاره. ولا أكتفي بتلك التفاصيل فقط، بل أُطالع ما وراء كواليس الكتابة، كيف بدأ الكاتب رحلة الكتابة، وما مصادر إلهامه، وكيف وأين يكتب، وما الصعوبات التي واجهته في بداية رحلته الإبداعية. كما أهتمُّ بتفاصيل العمل الأدبي نفسه. ومن هنا، بدأت فكرة ترجمتي لنصوصٍ تتناول عملية الكتابة لعددٍ من كبار كُتَّاب العالم. فأنا أُترجم ما يسُرُّ روحي ويثري عقلي ويُشبع شغفي واهتمامي. فالترجمة فعل حُب كما الكتابة.
- كتبت عن شعراء نالوا جائزة بوليتزر وعن آخرين.. هل أسرار الكتابة لدى الروائيين مكمل لهذا المشروع في الترجمة لدى سارة حامد حواس؟
أُفضِّل فكرة المشروع في الترجمة، بمعنى أنَّني أحب عندما أبدأ في ترجمة عملٍ ما، أن أضع هذا العمل في سياق مشروع أعمل عليه إلى الحدِّ الذي أشعرُ فيه أنه اكتمل أو أنَّ رسالتي المرجوة من ذلك المشروع قد وصلت بنجاحٍ إلى المُتلقي. يعني أنني بدأت في مشروع الكتابة عن الكتابة ( في سياق الترجمة وليس التأليف) بكتابي الجديد أسرار الكتابة كما يرويها كُتَّاب العالم، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، وسُأكمل هذا المشروع بترجمة كتبٍ أُخرى عن الكتابة لأن هذا المجال شاسع ومفيد ومطلوب، ولأنه بمنزلة ورشة للكتابة مجانية، كما أن هناك الكثير من التجارب لكُتَّابٍ عالميين تستحق أن تُنقل إلينا، لنستفيد من خبراتهم وننتقي منها ما يناسبنا ويلائم مبادئنا وأساليبنا ومدارسنا في الكتابة.
حتى أنَّني اهتممت أيضًا في هذا الكتاب بنقل وترجمة مواقف حياتية مهمة ومؤثرة واجهت هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب في حياتهم خصوصا بداية رحلتهم في عملية الكتابة، لأن هذا البُعد الإنساني هو ما يجعلنا نُكمل المسيرة ويشجعنا على مواجهة الصعوبات بشجاعةٍ ويشجعنا أيضًا على أن نؤمن بأنفسنا وإمكانياتنا، وأن الوصول إلى النجاح والتحقق ليس سهلًا ويحتاج إلى الكثير من الدأب والالتزام وتحمل المسئولية والمثابرة والصبر، وألَّا نستسلم أبدًا لإحباطٍ أو نقدٍ أو كلمة سلبية، بل نجعل كل ذلك سُلما للصعود نحو الأفضل..
- لم يكن هناك اختيار موجه كما حدث مع الشعراء وغيرهم فما المنهجية التي حددت اختياراتك لهؤلاء الكُتَّاب خصيصا؟
في هذا الكتاب تناولت عملية الكتابة، عند عدد من كبار الكُتَّاب العالميين المؤثِّرين في العالم العربي، فبعض منهم نال جائزة نوبل في الآداب ، والبعض الآخر نال جائزة البوكر الإنجليزية،ومنهم من نال جوائز أخرى كثيرة. فكان معياري في الاختيار ليست الجوائز فقط، بل قوة تأثير هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب على التكوين الثقافي للمتلقِّي العربي. فعندما كنت أقدم على ترجمة نصوص الكتابة لأي كاتبٍ، كنتُ أبحث في مواقع التواصل الاجتماعي، عن اهتمامات القُرَّاء في قراءة أعمال ذلك الكاتب أو تلك الكاتبة، عن طريق نشر أغلفة كتبهم المُترجمة، أو نشر اقتباسات منها على صفحاتهم الخاصة. كما كنتُ أتابع المقالات المكتوبة باللغة العربية عن هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب، المنشورة في مختلف المواقع والمجلات والجرائد العربية المُهتمة بالشأن الأدبي الثقافي. فهدفي الأول من هذا الكتاب، إفادة المُتلقِّي العربي وإمداده بما يفيده ويهمه ويحب أن يقرأه عن كاتباته وكُتَّابه العالميين المُفضَّلين. فقبل أن أبدأ في ترجمة تلك النصوص، آثرتُ أن أضع نفسي في موقع القارىء وليس موقع الكاتب أو المترجم، لكي أستطيع أن أشعر شعوره، وأعرف مواطن اهتمامه لأُشبع عند المُتلقِّي رغبته في حب المعرفة بهذا الشأن. كما اهتممتُ أن أنوِّع في اختياراتي، فترجمت نصوصًا عن الكتابة لكاتبات وكُتَّاب من قارات أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأوروبا وأفريقيا وآسيا، لأقدِّم خلفيات ومدارس أدبية ثقافية واجتماعية متعددة للقارىء العربي تثري معرفته وتحيطه بما يجري في عالم الكتابة بمختلف أنحاء العالم.
- معظم الكُتَّاب يقولون إنَّ الكتابة جاءت بالمُصادفة كما حدث مع وليام فوكنر.. هل ترين إذا أنَّ الكتابة قدر وأنها هي التي تختار الكاتب وليس العكس؟
الكتابة قدرٌ واختيارٌ في آن. بمعنى أن الله قد يمنُّ على شخصٍ ما بموهبة الكتابة لكنه لا يسعى إلى صقلها أو الاشتغال عليها، بل يمكن أن ينشغلُ بمهامٍّ أُخرى بعيدة عن الكتابة لأسبابٍ عديدة منها لقمة العيش، لأن الكتابة في مصر والوطن العربي لا يُعول عليها في الربح المادي إلا إذا كانت كاتبة أو كاتب من الأكثر مبيعًا. أمَّا عن المصادفات في الكتابة، فهي موجودة وأؤمن بها كثيرًا كما أؤمن أن الكتابة كالندَّاهة تنده صاحبها وتسحبه حتى يصبح عالقًا في براثنها ولا يستطيع الانفكاك منها أبدًا. والدليل على ذلك أنَّ حتى الأشخاص الذين ينشغلون عن الكتابة بمهامٍّ أخرى قد نجدهم بعد سنواتٍ من الانشغال يرجعون إلى الكتابة بطرقٍ مختلفة كأنهم يعلنون ندمهم على تركها. فالكتابة إذًا، كما قلت، قدرٌ واختيارٌ.
- بالرغم من أنك تكتبين عن رحلاتٍ في الكتابة تخصُّ شخوص بعينهم لكن الكتاب في مجمله يبدو كأنه روشتة ناجحة للكُتَّاب أنفسهم.. كيف ترين هذا؟
الكِتابُ روشتة ناجحة للكُتَّاب أنفسهم لأنني اخترت كاتبات وكُتَّاب عالميين ومتحققين وبارزين وكثير منهم حائزون على جائزة نوبل في الآداب مثل الروائية الأمريكية توني موريسون، والروائي التركي أورهان باموق، والروائي والكاتب المسرحي والمترجم النمساوي بيتر هاندكه، وكاتبة القصة الكندية أليس مونرو، والروائية البريطانية دوريس ليسينج، والروائي والكاتب الصحفي والأكاديمي البيروفي ماريو فارجاس يوسا، والروائي والكاتب الصحفي الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز والروائي الأمريكي ويليام فوكنر والروائية الفرنسية آني إرنو، والروائي والأكاديمي التنزاني عبد الرزاق قرنح، والروائي والشاعر والكاتب المسرحي والكاتب الألماني جونتر جراس ، والروائي والكاتب الصحفي البرتغالي جوزيه ساراماجو، أو جائزة البوكر مثل الروائي والكاتب الصحفي البريطاني جوليان بارنز والروائية والناشطة السياسية الهندية أورنداتي روي. كما أن هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب حازوا أيضًا على جوائز أدبية عالمية أخرى. فالكتاب لهذا السبب يُعتبر روشتة ناجحة لتجارب ناجحة وعميقة ومتحققة وذات ثِقَل في الكتابة الأدبية. والسبب الآخر يكمنُ في اهتمامي بالتركيز على النصوص التي تتناول عملية الكتابة نفسها ولم أكتف فقط بترجمة النصوص التي تحتوي على عاداتهم وطقوسهم في الكتابة فقط، بل اهتممت بترجمة كل ما يخصُّ عملية الكتابة لديهم وما واجهوه من صعوبات وتحديات في مسيرتهم بالكتابة. فالكتاب يتناول الكتابة ببعدها العملي والإنساني في الوقت نفسه، وآثرت أن أهتم أيضا بالبعد الإنساني لكي لا يتحول الكتاب إلى كتابٍ تعليمي خالٍ من التشويق. فالقارىء يحتاج إلى أن يشعر بالتوحد مع الكاتبة أو الكاتب الذي يحبه ويشعر بالاتحاد معه ولا يشعر بأن هذه الكاتبة أو هذا الكاتب منفصل عن الواقع الذي يعيشه القارىء.
- لماذا لا يوجد في كتابك كاتب عربي واحد مثل إبراهيم الكوني مثلا.. هل لأننا كعرب يمكننا ان نقرا ما كتب عنهم وانه متاح ام ماذا؟
ترجمت نصوص هذا الكتاب من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية لنقل تجارب الكُتَّاب العالميين إلى القارىء العربي والتعرُّف بثقافات مختلفة ومدارس متنوعة في الكتابة، أما الروائي الليبي العالمي إبراهيم الكوني، فيمكن لأي قارىءٍ عربيٍّ الاطلاع على رواياته ومقالاته وحواراته التي تحدَّث فيها عن سيرته في الكتابة، والاستفادة من تجاربه وكل ذلك باللغة العربية. فما الجديد إذن من نقل سيرة الروائي إبراهيم الكوني إلى كتابي وهي موجودة بالفعل في مصادر كثيرة أخرى يسهل الوصول إليها؟
- معظم الذين اخترتهم كانوا صحفيين لكنهم أنتجوا مشاريع قوية مثل إدواردو جاليانو وجابرييل جارثياماركيز وغيرهم.. إذا لماذا يصرح الكثير من الكتاب ان الصحافة قاتلة للابداع؟
الصحافة ليست قاتلة للإبداع بالمعنى الحرفي لكنها قاتلة للوقت الذي لا تمنحه لك للكتابة الإبداعية. فالكتابة الصحفية تتسم بصفاتٍ مُعينة كالتقريرية والمباشرة على سبيل المثال ولا تجد تلك الصفات في الكتابة الإبداعية. وبرغم ذلك قد تجد هؤلاء الكاتبات والكُتَّاب قد آثروا كتاباتهم الإبداعية عن الانشغال بمهنة الصحافة والسبب في ذلك قد يكمن في أن الكتابة الإبداعية خارج مصر والوطن العربي قد يُعول عليها بشكلٍ كبير في الربح والكسب المادي خصوصا مع كُتَّابٍ كبار مثل هؤلاء، لذلك عدم انشغالهم بالصحافة لم يؤثر كثيرًا على أمانهم واستقرارهم المادي وبذلك شجعهم ذلك على الاستمرار في الكتابة الإبداعية من دون قلقٍ. أما الحال في مصر والوطن العربي فهي مختلفة تماما كما ذكرت من قبل.
- الكتاب يقدم محتوى لقارئ عربي.. هل في رأيك تتفق نصائح الكتاب ورؤيتهم لعالم الكتابة مع قارئ او كاتب يعيش في ظروف مختلفة تماما؟
الكتابةُ هي الكتابةُ في كل مكانٍ وزمانٍ. مهما اختلفت البيئات والظروف، تظل لغة الكتابة واحدة ومشتركة بين الكاتبات والكُتَّاب حول العالم. وأرى أن التعرض للاختلافات الموجودة بين البيئات والثقافات المختلفة قد يثري العقل ويضيف إليه جديدًا مع الحفاظ على هويتك وبصمتك الخاصة في الكتابة، قد تخلق إبداعًا جديدًا وثريًا كنت من الممكن لا تفعله إذا كنت لم تتعرض للمدارس العالمية المختلفة والمتنوعة في الكتابة الإبداعية. فأنا دائمًا أقف في صف التوسع والتنوع شريطة أن أنتقي ما يناسب عقلي وقناعاتي وأسلوبي.
- هناك كتاب يقولون إن الكتابة تأتي حيثما أرادت.. وهناك ايزابيل الليندي تقول إن المسألة تتعلق بالحضور.. كيف ترين هذا؟
الكتابة بالطبع تأتي حيثما أرادت، لكنني أؤمن تمامًا بما قالته الروائية التشيلية إيزابيل الليندي، أن الكتابة تأتي عندما تجيد الحضور، بمعنى عليَّ أن أهيء نفسي للكتابة أي أفعل طقوسي في الكتابة التي اعتدتها كل يوم حتى تأتيني الفكرة. أي أضع نفسي في مكان الكتابة وأفتح جهاز الكمبيوتر وأُجرِّب، وحتى لو لم أتت الفكرة اليوم وغدا، فحتما ستأتيني بعد ذلك، المهم أن أحضر وأن أكون موجودة وفاعلة. وهذا ما أعمله بالفعل. المهم أن تمحي فكرة اليأس أو الاستسلام، فالفكرة تأتي حتمًا حتى لو تأخرت قليلًا.
- قلت في مقدمتك إنك لم تقومي بخيانة النصوص في الترجمة إلا خيانة محببة... كيف هذا؟
الترجمة عمومًا بكل أنواعها فيها بعض من الخيانة، ولكن المترجم العارف هو الذي يخون خيانة مُحببة، أي يحذف أو يضيف ما يجده يتناسب أكثر مع النص بصورةٍ لا تخلو بالمعنى ولا الصور البلاغية أو الجمالية أو أسلوب ولغة الكاتب أو الشاعر ، أعني خيانة تخدم النِّص، لا تسيء إليه. والإساءة هنا أعني بها الانحراف عما يؤول به الكاتب أو الشاعر في نصِّه. كما أنَّني أحاول دائمًا أن أحافظ على معنى النَّص ورسالة الكاتب أو الشاعر التي يريد توصيلها إلى القارىء، والحفاظ على روح النَّص التي تبرز وتميِّز كل نصٍّ أدبيٍّ عن غيره.













































