اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٤ أذار ٢٠٢٦
إبراهيم عبد المجيد*
هذا كتاب جديد للصحافي حسن عبد الموجود، الذي له حياة رائعة في الصحافة الأدبية والإعلام، وأصدر من قبل كتبا ما بين القصة القصيرة والرواية والسيرة، مثل رواية «البشر والسحالي» والمجموعة القصصية «حروب فاتنة» والكتاب السيرة «أم كلثوم.. من الميلاد إلى الأسطورة». الكتاب صادر هذا العام عن دار «ديوان» المصرية بعنوان «نجيب محفوظ.. الأصل والصورة».
قد يأخذك العنوان إلى أنك ستدخل في دراسة عن محفوظ وأعماله، لكنك تجد شيئا آخر فاتنا، فيه من إبداع المؤلف ما يستحق التقدير. هو هنا يمشي مع محطات في حياة نجيب محفوظ الشخصية والأدبية منذ بدايتها، لكن تجد أن نجيب محفوظ نفسه هو المتحدث بشكل فني ودرامي، جاعلا فقرات مما جاء في مذكراته، أو مما كُتب عنه، قصصا وحكايات درامية مجسدة، فالمؤلف يعرف غرام محفوظ بكتابة الدراما ويبعثه من جديد. أول ما تلاحظه في الكتاب هو التكوين الفني، فجعلت منه دار ديوان محفلا للصور التي تتفرق بين الفصول، وتحتل تقريبا سبعين صفحة من الكتاب، الذي تبلغ صفحاته مئتين وسبعين صفحة من القطع الكبير. يذكر المؤلف مراجعه ودور الكاتب محمد شعير في مراجعة الكتاب، خاصة من جهة المعلومات، ولمحمد شعير أروع ما كتب عن رواية «أولاد حارتنا»، وهو كتابه الذي يحمل عنوان «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة» الصادر من قبل عن دار العين.
من الصعب الوقوف عند كل فصول الكتاب، لكني سأقف عند بعض محطات طريفة أو مؤلمة. الفصل الأول بعنوان» الشجرة السابعة» عن ميلاد نجيب محفوظ. كيف تعسرت الأم في الولادة، واستدعاء الدكتور نجيب محفوظ الشهير ذلك الوقت في الطب والولادة، إلى البيت لتتم الولادة. عدة ساعات بلغت فيها الدراما السماء، سواء مع الأم أو الأب، أو القابلة التي فشلت في عملها لمساعدة أمه على الولادة، وكيف جاء الطفل شجرة سابعة من أشجار أبيه وأمه، التي شملت ولدين وأربع بنات.
كل شيء يتحرك من البشر إلى الجدران، بلغة نجيب محفوظ المدهشة، التي توحد معها المؤلف. ينتهي الفصل لنرى الأصل وهو فقرات قصيرة من مذكرات نجيب محفوظ، التي نشرها رجاء النقاش عام 2011 وكذلك من حوارات نجيب محفوظ، التي يذكر فيها على عكس السائد، أن اسمه لم يأتِ من اسم الطبيب نجيب محفوظ، فهو برواية شقيقته الأكبر لم يساهم في الولادة، لكن الشخص الذي ذهب ليسجل اسمه، أخبرته العائلة أنها اختارت اسم حافظ نجيب، الذي كان صحافيا مشهورا في زمنه، لكنه نسي وتذكر اسم الطبيب الشهير وقتها، فسماه باسمه. كل الفصول تنتهي من الصور المتخيلة، لتقرأ الأصل، كما جاء في كتب أو مذكرات، تجعل منه الصور الفنية حدائق رائعة. كيف كان ولع محفوظ بلعب الكرة وغرامه بالنادي الأهلي وحسين حجازي اللاعب الشهير، وبراعته في لعبة «التنطيط»، وهي رفع الكرة بقدم واحدة واستقبالها وتكرار ذلك، وكيف وصل إلى الرقم أربعمئة. تذكرت نفسي لكني وصلت إلى المئة بصعوبة، وكنت بذلك أحرف الأولاد. وكيف ذاع صوته وحمل لقب «قلب الأسد». يأتي فصل «قمر الجمالية» عن غرامه بوجه «يسرية» وهو في سن السابعة، وحوارات حقيقية، أو متخيلة معها وهو يعيش في الجمالية، وكيف صار يغني مثلها «يمامة حلوة ومنين أجيبها»، وغير ذلك، تجسيدا فنيا لسطور من مذكراته، يذكر فيها أول قصة حب ساذجة وبريئة. ولع نجيب بجمال النساء سيمشي معه في حياته، ويظهر مثلا حين كان مسؤولا عن مؤسسة السينما في الستينيات، وحسده لرشدي أباظة فاتن النساء، في فصل بعنوان «خذ كل قصصي وامنحني ربع حظك مع الجميلات».
في فصل بعنوان «يا رب يا يسوع عن أمه فاطمة وغرامها بزيارة دير ماري جرجس، وكيف مرضت وزارتها راهبات الدير، ترقيها إحداهن وتطلب من الرب يسوع شفاءها، وتطفر هو دموعه من المشهد الإنساني الفائق، الذي كعادة حسن عبد الموجود جسده بروعة بلغة محفوظ وحديثه. أحداث قد تبدو صغيرة لكنها تشكل الروح الإنساني لمحفوظ.
أحداث أخرى لها أهميتها وطرافتها الفائقة، مثل نشاط فتوة الحسينية المعلم أحمد عرابي وما فعله. من هنا تدرك كيف كان عالم الفتوات، سواء في صراعاتهم الشخصية، أو مع البوليس أو الإنكليز، نهرا لمحفوظ في رواياته. اشتراك محفوظ في المظاهرات ضد الإنكليز وهو بعد طالب بالمدرسة. في فصل طريف بعنوان «في بيت الأمة بقدم حافية» أحداث يوم اجتمعوا فيه أمام بيت الأمة، لسماع خطبة مصطفي النحاس ومكرم عبيد. هاجمهم البوليس فقفز صديقه الأكبر حسن عاكف من السور إلى داخل البيت للاحتماء به، بينما أمسك الشرطي بقدم نجيب محفوظ من حذائه فخرج الحذاء في يده، ونجح حسن في جذبه، وكيف احتضنتهما أم المصريين صفية زغلول، حتى هدأت الأمور فخرجا. طبعا نجيب محفوظ كان وفدي الهوى. فصول ساخرة مثل فصل «اكتبني نجيبة!» عن ترقيته للدرجة الرابعة في وزارة الأوقاف، والاحتفال به في البيت والمقهى والعمل، لكن ألغيت الترقية لصالح زميل له اسمه شريف، له ميول جنسية فيطلقون عليه «شريفة» له علاقة مشبوهة بإبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي. ألغيت الترقية وذهبت لشريف، فاقترح محفوظ ساخرا على زملائه، أن يجهزوا كشفا جديدا ويسمونه فيه «نجيبة!».
من طرائف الأحداث ظهور شخص لا يعرفونه اسمه حسين، بين شلة الحرافيش في مقهى عرابي، وكانت شلة الحرافيش فيها أسماء مثل محمد عفيفي وعادل كامل وأحمد زكي مخلوف وعبد الله الطوخي وأحمد مظهر.
من طرائف الأحداث ظهور شخص لا يعرفونه اسمه حسين، بين شلة الحرافيش في مقهى عرابي، وكانت شلة الحرافيش فيها أسماء مثل محمد عفيفي وعادل كامل وأحمد زكي مخلوف وعبد الله الطوخي وأحمد مظهر. كان حسين يحكي كيف أن أمه متعلقة به تعلقا مرضيا منعه من الزواج، وحين أصدر محفوظ روايته «السراب» أخبرت الشلة حسين، أن الرواية مستوحاة منه، فراح حسين يطارده ليقتله، وخوف محفوظ الحقيقي منه حتى أقنعه بالعكس.
حديث عن الجوائز وأول جائزة فاز بها وهي جائزة «قوت القلوب الدمرداشية» عن روايته» رادوبيس» ورحلته مع عادل كامل، الذي يكن له كل التقدير، مع جوائز أخرى مثل جائزة مجمع اللغة العربية، وكيف فازا مرة، وفي الثانية لم يفوزا لأن الروايات فيها خروج عن الأخلاق. للأسف فكرة الأخلاق لا تزال سائدة في فهم العمل الأدبي، بينما شخوص أي رواية ليسوا حقيقيين، وأزماتهم تأتي من جنوحهم، أو عدم اتفاقهم مع المجتمع. نعود إلى فصول من أطرف ما جرى في حياته، عن المخبر الذي كان يحضر لقاءات شلة الحرافيش واسمه «عطية» ولا يعرف ما يقولون، فطلب من محفوظ أن يساعده، فصار هو الذي يكتب له التقرير الأمني بلغة متعثرة وخط سيئ، فالرجل لا يعرف القراءة والكتابة. لا يختفي المخبرون من حياته ويظهرون حول بيته في العجوزة بعد أن نشر روايته» ثرثرة فوق النيل» ويمشون وراءه ويتحدثون معه. الرواية التي أراد عبد الحكيم عامر اعتقال محفوظ بسببها، لكن عبد الناصر رفض. يتكرر الأمر مع رواية «أولاد حارتنا».
أتوقف عند فصلين في نهاية الكتاب أحدهما عن جنازة مصطفي النحاس باشا عام 1965، ولقائه في الجنازة بأحمد مظهر، الذي كان من ضباط يوليو/تموز وترك الجيش من أجل التمثيل. حوار درامي بينهما وقلق من هتافات المشيعين للجنازة «لا زعيم بعدك يا نحاس»، حوار درامي أقام خيمة من ذكرياته مع ثورة 1919، وكيف أحب سعد زغلول وحزب الوفد، وما فعلته حركة يوليو من عداء للأحزاب، ليأتي الفصل الأخير عن محاولة اغتياله ومن فعلوا ذلك تحت شعار «مت يا أخي.. لماذا ترفض أن تموت» يتقدمهما الشيخان عبد الحميد كشك وعمر عبد الرحمن. دراما الاعتداء عليه خطوة بخطوة والعمليات الجراحية، التي جرت لإنقاذه في صور فنية مبهرة. وهكذا فالكتاب يعيد لنا مشاهد من حياة نجيب محفوظ بلغته التي توحد معها حسن عبد الموجود في دراما مدهشة تجعلك لا تترك الكتاب من يدك.
*كاتب مصري - القدس العربي













































