اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
صبحي حديدي*
وجهة تحليلية غير مألوفة، إشكالية من حيث المبدأ ومدعاة سجال قد يكون مستحَقّاً تارة أو مفتعَلاً غالباً، تلك التي يعتمدها إزاء الهولوكوست الأستاذُ في جامعة مدينة هونغ كونغ، إريك ساندبرغ، على امتداد فصول كتابه الجديد «رواية الجريمة والهولوكوست» الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية ضمن منشورات «بالغريف ـ مكميلان». وإلى جانب الحصانة، شبه التقديسية وشبه التحريمية، التي تحرص المؤسسات اليهودية و/ أو الصهيونية على إبقائها سيفاً مسلطاً فوق دراسات الهولوكوست ذات الصفة الفارقة أو المفارقة، فإنّ هذه النظرة على وجه التحديد تخرق ما هو متفّق عليه إلزاماً، وتخدش ما يتمّ السكوت عنه طواعية أو قسراً.
النماذج الروائية التي يتناولها ساندبرغ لافتة في اعتبارات عديدة، بعضها لا يخلو من عناصر مفاجئة وإنْ للوهلة الأولى فقط؛ إذ تكشف منهجياته التحليلية عن روابط شتى بين مفهوم رواية الجريمة، أو الرواية البوليسية لمن يشاء، وبين عدد غير ضئيل من وقائع الهولوكوست؛ سواء من جانب الضحايا أو الجلادين النازيين عموماً، أو المناخات المكانية والزمانية النفسية التي تسبق الواقعة أو تتخللها أو تعقبها. في عداد المفاجآت، ثمة فصل يعالج العلاقات هذه من زاوية الذاكرة التاريخية والدراسات ما بعد الاستعمارية (في أعمال الفرنسي ديديه داننكس مثلاً)، أو روايات المسرحي السويسري فردريش دورنمات، عبر شخصية المحقق البوليسي، أو ثلاثية الالماني فيليب كير، التي يطلق عليها ساندبرغ صفة «الرواية السوداء»…
والحال أنّ المؤلف لا يخفي ثلاثة هواجس اكتنفت خياراته في الربط، عبر سلسلة تشابكات تخضع مسبقاً للمحظور والمحرّم، بين نماذج مختلفة الأساليب والتقنيات والموضوعات في رواية الجريمة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين والعقود الأولى من القرن الراهن؛ وبين سرديات الهولوكوست ذات الخصوصية العالية والاحتشاد بالرموز وتقاطع التأويلات التاريخية. أوّل الهواجس يخصّ الحجم الهائل، بالملايين، للحكايات والشخوص والملابسات؛ وثانيها يتصل بإشكالية خلوّ الحكاية الهولوكوستية من الحبكة، بالنظر إلى تشابه المكونات السردية وبداياتها ونهاياتها؛ والهاجس الثالث لا ينأى كثيراً عن عبارة تيودور أدورنو الشهيرة: «من البربرية كتابة الشعر بعد أوشفيتز».
وكلّ هذا في ضوء معطى حاسم ظلّ يكتنف الرواية البوليسية منذ صعودها المضطرد في القرن التاسع عشر، واستقرارها بقوّة داخل رواية التحليل النفسي والأمراض العصابية، وفي القصة القصيرة كما في السينما ومسلسلات الإذاعة والتلفزة وألعاب الكومبيوتر والقصص المصورة. ولعلّ القرينة الكبرى الدالة على حال هذا النوع يذهب مباشرة إلى حقيقة أنّ أعمال أغاثا كريستي تشغل المرتبة الثالثة من حيث المبيعات بعد وليام شكسبير والكتاب المقدس. في ضوء ملفّ آخر أيضاً هو ما عبّر عنه الناقد الأمريكي الشهير إدموند ولسون في مطلع أربعينيات القرن الماضي، حين كتب مقالة هجائية شهيرة بعنوان «مَنْ يعبأ بقاتل روجر أكرويد»، في إشارة إلى أهمّ روايات كريستي آنذاك. ولقد شنّ ولسون هجوماً عنيفاً على الرواية البوليسة وما تخلقه من عوامل زائفة مكررة، ليس لها من هدف سوى التسلية الرخيصة، والإمتاع السطحي، وجرّ القارئ خلف خيوط الغامض والملتبس والخفيّ. ولقد كان الجواب ملموساً صريحاً بقدر ما كان مخيّباً لآمال منظّر أدبي كان واسع النفوذ والسطوة مثل ولسون: أكثر من 400 مليون قارئ، في طول العالم وعرضه، كانوا يعبأون بمَن قتل روجر أكرويد!
تلك كانت خيبة أمل لها ما يسوّغها في واقع الأمر، لأنّ كريستي لم تكن تمتلك أسلوباً أدبياً فائقاً أو ذا خصوصية ملحوظة (في عصر أمثال فرجينيا وولف وجرترود شتاين!)، ولم تأبه يوماً بتقديم شخصية روائية ذات سمات إنسانية كونية جديرة بالخلود، بل إنها لم تسعَ مرّة واحدة إلى الغوص في أعماق أيّ من شخصياتها. إنها لم تتقصّد سوى تصميم جريمة قتل، وحبك خيوطها وعناصرها، وإلقاء ظلال الشكّ على المشتبه بهم هنا وهناك، ثمّ تضليل القارئ من صفحة إلى أخرى حول الفاعل، وتصعيد التشويق إلى الدرجة صفر من القدرة على تمييز الحقيقة. وأخيراً، تقديم القاتل (أو القتلة!) على طبق من أدلة بيّنة وبراهين ساطعة مرّت قبلئذ على القارئ المنشغل، دون أن يدركها أو يدخلها في سياقاتها الصحيحة.
فكيف، والسؤال المشروع يُطرح بالفعل، يمكن لرواية بوليسية من هذا الطراز أن تخدم قضية الهولوكوست؛ إذا كان القتيل معروفاً مسبقاً، مثل القاتل والمكان والزمان والدوافع والأدوات…؟ يجيب ساندبرغ بالإحالة إلى جوهر العلاقة الخاصة، بين قارئ الرواية البوليسية وكاتبها، ثم ما يُسقط من رموزها على وقائع أخرى وجرائم متبدلة، لأنها أيضاً علاقة لا تتوفّر في أيّ نوع آخر من القراءة أو الكتابة القصصية. الكاتب هنا ليس مجرّد «مفبرِك» بارع للألغاز والحبكات ومواقف الغموض، وهو ليس ذلك الانتهازي الذي يعرف كيف يعيد القارئ إلى بؤرة التشويق كلما ضاقت تلك البؤرة. إنّ دوره يتمثّل في قيادة القارئ عبر شبكة تقاطعات انفعالية حادّة التمايز بين الحياة والموت، الخير والشرّ، الأمان والعنف، وبين الهيولى والهوية.
ولا عجب أنّ التحريم، الصهيوني خاصة، يأتي من هنا؛ حين ينقلب أحفاد ضحايا الهولوكوست إلى قتلة وجلادين!
*كاتب وباحث سوري يقيم في باريس - القدس العربي













































