اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٤ أذار ٢٠٢٦
باتت القرى توصف بأنها طاردة لسكانها بسبب الشح المائي وتراجع القطاع الفلاحي وانعدام مواطن الشغل
تعكس الهجرة والتنقلات السكانية الداخلية مدى قدرة القطاعين الاقتصادي والاجتماعي على جذب الساكنين واستقرارهم. فتوفر التنمية والشغل والمرافق الأساسية يسهم في بقاء السكان في المكان وعدم انتقالهم إلى مواقع أخرى.
وتكشف ديناميكية الهجرة الداخلية في تونس عن مساعي التونسيين للبحث عن العمل وتحسين مستوى العيش والفرص الأفضل لتعليم الأبناء، علاوة على أن التغيرات المناخية وشح المياه وتراجع مردودية القطاع الفلاحي، دفعت بدورها عشرات التونسيين إلى الهجرة نحو المدن الكبرى.
وتكشف المعطيات الإحصائية التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء (مؤسسة عمومية) عام 2024، أن أكبر تركيز للسكان هو في الجهات الساحلية وفي تونس الكبرى، بما يناهز الـ70 في المئة من سكان الجمهورية، ويعكس هذا الواقع خللاً فادحاً في توزيع التنمية نتج منه خلل في التوزيع الديمغرافي للسكان على مختلف مناطق الجمهورية.
تواجه تونس آثاراً وخيمة للتغيرات المناخية على القطاع الفلاحي، من بينها تنامي الهجرة الداخلية بحثاً عن موارد الرزق في قطاعات أخرى. وكان البنك الدولي حذّر عام 2021 من أنّ تغيّر المناخ يعّد محركاً قوياً للهجرة الداخلية بسبب آثاره على موارد الرزق وفقدان إمكانية العيش في الأماكن شديدة التعرض للأخطار، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة قد تمسّ 19 مليون مواطن في دول شمال أفريقيا بحلول عام 2050.
صلاح الشعبوني (54 سنة) المنحدر من ولاية الكاف شمال غربي البلاد، عامل يومي، انتقل إلى العمل في العاصمة منذ سبعة أعوام، وتخلّى عن أرضه وقطيع صغير من الأغنام كان يرعاها في قريته بأحد أرياف محافظة الكاف.
يقول 'جفّت البئر التي كنت أعول منها عائلتي، وهي بئر مشتركة مع أبناء عمومتي، ورثناها عن جدّنا، وكنا طيلة عقود نسقي منها الخضر الفصلية. وخلال الأعوام الـ10 الأخيرة تراجع منسوب المياه في البئر، ولم تعد توفر الكميات المطلوبة لريّ الخضر، وعلى رغم أننا قلّصنا من المساحات المزروعة فإن البئر جفّت تماماً خلال الأعوام الأخيرة، وذلك على رغم الحفر على عمق يزيد على 70 متراً. فتخليت عن الفلاحة، وجئت إلى العاصمة وتسوّغت منزلاً في حي التضامن (غرب العاصمة)، أعمل في قطاع البناء كعامل يومي، بعدما كنت أشغّل عشرات العمال في المواسم الفلاحية الجيدة'.
ويردف صلاح 'لا توجد موارد رزق في أرياف الشمال الغربي، عدا الفلاحة التي تواجه بدورها صعوبات كبيرة بسبب الجفاف، ولم توفر الدولة البدائل لتراجع منسوب الآبار التي توفّر موارد الرزق لمئات العائلات. وضعي الآن في هذا الحي أفضل، على رغم أن العمل غير مستقرّ في قطاع البناء، أتقاضى أجرة يومية تبلغ 40 ديناراً (13 دولاراً) إلا أنني أتدبّر حالي بمساعدة زوجتي التي تعمل كمساعدة منزلية'.
لا يعتقد صلاح أن العمل في حظائر البناء في الأحياء المحيطة بالعاصمة سيوفر له مورد رزق قاراً، إلا أنه لا يملك حلولاً بديلة في الوقت الراهن، وقال إن قرار هجرته إلى العاصمة اتخذه مُكرهاً وهو نوع من المكافحة من أجل لقمة العيش.
وضعية صلاح تنسحب على عشرات الحالات المشابهة في عدد من القرى بمحافظات تونسية عدة باتت توصف بأنها طاردة لسكانها بسبب الشح المائي وتراجع القطاع الفلاحي وانعدام مواطن الشغل على غرار محافظات الشمال الغربي كالكاف وسليانة.
وبينما يستمرّ تيار الهجرة الداخلية في تونس منذ عقود بسبب منوال تنموي مختلّ، تكتظ تونس العاصمة والمدن الكبرى، وتختنق طرقاتها، ويواجه قطاع الخدمات ضغطاً متزايداً، وهو ما جعل تلك المدن محاصرة بأحزمة عشوائية من الأحياء الشعبية التي لا تتوفر على شروط التهيئة العمرانية السليمة، وهو ما يدعو إلى التعجيل بوضع سياسات عمومية تنموية تستوعب هذه المتغيرات.
ويرى أستاذ التنمية والتصرف في الموارد في الجامعة التونسية، حسين الرحيلي، أن 'الهجرة الداخلية في تونس بدأت منذ السبعينيات، ففي ظلّ خيارات الانفتاح الاقتصادي جرى التخلي عن التنمية المحلية والجهوية، وعن القطاع الفلاحي القادر على تثبيت السكان في مناطقهم'.
وعرف المجتمع التونسي موجات هجرة داخلية متتالية، من مناطق الوسط كالقيروان وسيدي بوزيد والقصرين، ثم من مدن الشمال الغربي بسبب غياب التنمية وأعوام الجفاف في الثمانينيات والتسعينيات.
وبناء على خيارات اقتصادية تعتبر أن الواجهة البحرية هي التي تخلق التنمية، تمّ إحداث المناطق الصناعية في العاصمة وتوجيه استثمارات عمومية مهمة إلى مدن الساحل، مقابل تهميش المناطق الداخلية.
وبحسب أستاذ التنمية والتصرّف في الموارد، فقد 'أدّى هذا الواقع التنموي إلى تنامي الهجرة الداخلية، فظهرت أحياء شعبية وعشوائية كالسيجومي والزهروني وحي التضامن في تونس وحي النسيم في أريانة، وهو نتيجة طبيعية لخيارات تنموية أسهمت منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات بصورة أو بأخرى في تهميش المناطق الداخلية، مقابل تنمية المناطق الساحلية وهو ما أحدث خللاً في التوازن التنموي بين الجهات'.
يذكر أن هذا المنوال التنموي تواصل في عهد الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، كذلك جرى تكريسه بعد الـ14 من يناير 2011، وأعيد إنتاج الخيارات التنموية ذاتها بشعارات جديدة، على غرار تعزيز التنمية الجهوية وتكافؤ الفرص بين الجهات، في محاولة لامتصاص غضب الجهات الداخلية التي كانت وقود الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، بسبب غياب التنمية وفرص العمل.
ويؤكد حسين الرّحيلي أن تونس اليوم تعيش على المنوال التنموي نفسه، متسائلاً عن أسباب عدم تعديله، ولافتاً إلى أنّ 'الهجرة الداخلية في تونس بدأت اقتصادية في غياب التنمية وتراجع مردودية القطاع الفلاحي، وانتهت إلى هشاشة اجتماعية بتفشي الفقر ومظاهر الخصاصة في أحياء شعبية عدة محيطة بالعاصمة والمدن الكبرى'.
ويضيف أستاذ التنمية والتصرّف في الموارد أن 'سلطة القرار اليوم باتت مركزية، وأنّ المجالس المحلية المنتخبة بلا جدوى اقتصادية، وتعاني غياب الموازنة، في ظلّ عدم وضوح التصوّرات الاقتصادية الكبرى'، داعياً إلى 'توظيف نتائج الإحصاء العام الذي كلّف الدولة نحو 100 مليون دينار (33 مليون دولار)، وبلورة منوال تنموي يلبي حاجيات المرحلة، ويواكب تطور المجتمع التونسي، ويتواءم مع خصوصيات كل جهة، ويعمل على تثبيت سكان المناطق الداخلية من خلال الاستثمار في القطاع الفلاحي'.
وبينما تتوسّع الأحياء الشعبية خارج التخطيط العمراني، بسبب تفاقم الهجرة الداخلية وارتفاع الطلب على السكن المنخفض الكلفة، يواجه قطاع الخدمات من صحة ونقل وتعليم، ضغطاً متزايداً، وهو ما يؤثر في النسيج الاجتماعي للمدن الكبرى التي باتت تواجه ضغطاً مرورياً خانقاً، وسط تهرّي أسطول النقل واكتظاظ المؤسسات التربوية مقابل إغلاق المدارس في الأرياف.
ويعتقد أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية عبدالستار السحباني أن 'حركة الهجرة الداخلية طبيعية طالما أنّ مظاهر التنمية وموارد الرزق والمرافق الأساسية غائبة في المناطق الداخلية'.
ويرى أن 'هذا التفاوت يخلق مجتمعاً أعرج، وينعكس على الصحة والرّفاه وعدم تكافؤ الفرص أمام الأمراض، وبخاصة أن خريطة المستشفيات الجامعية ممتدّة على السواحل وتغيب في المناطق الداخلية'.
ووفق البنك الدولي، قد يضطر أكثر من 200 مليون شخص إلى الهجرة داخل بلدانهم بحلول عام 2050 بسبب شح المياه وتراجع مردودية القطاع الفلاحي، مما يدعو الدول المعنية ومن بينها تونس إلى اتخاذ إجراءات فورية حمائية خاصة للعاملين في القطاع الفلاحي.

























