اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ نيسان ٢٠٢٦
د. عبدالرؤوف الخوفي
لم تكن الطفولة عند أبي القاسم الشابي مرحلةً زمنيةً تُطوى مع تقدّم العمر، بل كانت منزلة وجودية يعود إليها كلما أثقلته الحياة، ونافذةً يطلّ منها على العالم كلما ضاق به الواقع. فلم يتعامل مع الطفولة بوصفها نوستالجيا أو زمنًا بريئًا منقضيًا، وإنما بوصفها قيمة معرفية وأخلاقية، وحالةً روحية قادرة على مقاومة القسوة واستعادة المعنى حين تبهت الأشياء.
مَن يقرأ الشابي بعين متأنية يكتشف أن صوته الشعري لم يخرج من عباءة البراءة، ولم يُكتب من موقع الحكيم المكتمل، بل من موضع الكائن الذي يرفض أن يكبر على طريقة العالم. لقد كان واعيًا بما يكفي ليرى بأن النضج لم يكن يعني الحكمة فحسب، بل كثيرًا ما يعني التكيّف.. حيث التكيّف نقيض الروح الحرة؛ لذلك ظلّ الشابي في شعره طفلًا مقاومًا لا رجلًا مستكينًا.
ولذا فالطفولة في شعر الشابي كانت تمثل شرط نضجه العميق. فالطفل هو الكائن الوحيد الذي يرى العالم بلا وسائط، ويُصغي إلى الوجود قبل أن يتعلّم لغته. لذلك ظلّ الشابي على قصر عمره شاعرًا يمتلك دهشة الأطفال وحزن الحكماء وسبحان من جمع له هاتين الخصلتين. وكأن روحه نضجت سريعًا، لكن قلبه أصرّ على أن يبقى طفلاً.
حين كتب عن الطبيعة لم يكتب عنها بوصفها موضوعًا خارجيًا، بل كائنًا حيًّا يعيش في دواخلنا.. نُخاطبه ونتخذ منه صديقًا. وهذا الحسّ الطفولي العميق هو ما جعل الطبيعة في شعره شريكًا وجوديًا. فالطفل وحده من يؤمن أن الشجر يسمع، وأن الريح تفهم، وأن النهر يحتفظ بالأسرار. والشابي الشاعر لم يتخلَّ عن هذا الإيمان عندما حوّله إلى لغة شعرية عالية.
وياللجمال !.. حينما تغدو الطفولة عند الشابي قدرةً على الحلم دون إذن، وعلى الغضب دون حساب، وعلى البكاء دون خجل. ولهذا جاءت شاعريته مختلفة؛ فلم تكن أيديولوجية جافة، وإنّما معانٍ مشحونة بالعاطفة والبراءة. وكأن بداخله طفلاً يشي بتمرّد. ومن هنا نفهم لماذا بدت إرادته في شعره كونية.. فالطفل لا يطلب نصف حريّة.. ولا يُساوم على أحلامه.
لكن الطفولة عند الشابي لم تكن دائمًا فرحًا صافيا ولعبًا بين الأعشاش والمروج والطيور.. لقد واجه وهنًا عالي الحساسية، وقدرة مضاعفة على الألم. فالطفل يتألم أكثر لأنه لا يملك آليات الدفاع التي يكتسبها الكبار. وربما لهذا كان الشابي شديد الإحساس بالفقد وبالظلم وبخذلان الواقع. فهو لم يتعلّم القسوة ولم يتقن البلادة بالمقابل، لكنّه بقي مفتوحًا على الجرح.
وفي هذا المعنى.. يُمكن لنا قراءة مرض الشابي ومعاناته بوصفها تعميقًا لتجربته الطفولية. فالمرض أعاده إلى الإحساس المباشر بالوجع وإلى سؤال الحياة والموت ولكن كما يطرحه الطفل حين يُفاجأ بفناء الأشياء من حوله. إذ لم يكن يتأمل الموت بعين الفيلسوف وإنّما بعين طفلٍ خائفٍ وبريء ومتسائل.
ولعل أجمل ما في تجربة الشابي تكمن في عدم انسحابه، وأنّ الطفولة بدت مواجهةً له بأدوات غير مألوفة. فهو يواجه بالسؤال عالمًا لعبتُه التبرير. ويواجه بالصراخ الشعري زمنًا يتقن الصمت. ومع ذلك ففي واقعٍ يعلّم الناس كيف يتأقلمون أصرّ على أن يتألّم.. وليس لأحد عدا الطفل وحده أن يفعل ذلك.
إن الطفولة في شعر أبي القاسم الشابي لا تعكس مجرد مرحلة عمرية بقدر ما تمثّل موقفًا من الوجود. ولهذا ظل شعره حيًّا؛ لأنه كُتب من منطقة ندرة لم تُفسدها الحسابات ولم تلوّثها المصالح.
ويُمكن القول في النهاية.. إن أبا القاسم الشابي لم يمت شابًا فقط، بل عاش طفلًا حتى النهاية. وحين تفقد القصيدة طفولتها تفقد قدرتها على البقاء. وحين يفقد الإنسان طفولته، يفقد قدرته على الحلم. وكأنّ الشابي في شعره وحياته قد اختار أن يخسر العمر على أن لا يخسر حلمه.
لذلك فإن قراءة أبي القاسم الشابي من زاوية غير تقليدية تُعيدنا إلى السؤال الجوهري:
هل نكبر لنفهم العالم..؟ أم نكبر لننسى ما كنا نعرفه بحدس الطفولة؟
لقد كان الشابي يعرف الجواب بحسب ظني.. ومات على قِصَر عمره وهو يكتبه بيد طفلٍ عنيد يرفض أن يُسلّم لعبته الأخيرة!










































