اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
في الذكرى الثانية لرحيل ماهر الجازي، يقف الزمن ينحني احترامًا لرجلٍ لم يكن مجرد اسمٍ في سجلّ الأيام، بل كان فردًا بحجم أمة، وصوتًا بحجم تاريخ، وخطوةً بحجم طريقٍ طويلٍ تمشيه القلوب قبل الأقدام. في هذا اليوم، تعود الذكرى لا لتُبكي، بل لتُحيي، لا لتُضعف، بل لتُقوّي، لا لتُطفئ، بل لتُشعل في الأرواح معنىً ظلّ حيًا منذ اللحظة التي مضى فيها ماهر ثابتًا نحو قدرٍ آمن به. ماهر الجازي… رجلٌ حمل واجب أمةٍ كاملة، أمةٍ يزيد تعدادها عن المليار، فكان وحده كأنما يحملهم جميعًا على كتفيه. لم يكن يبحث عن ضوءٍ يلمع حول اسمه، ولا عن منصبٍ، ولا عن دنيا تتزيّن لمن يطلبها، بل كان يسعى إلى ما هو أبقى، إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، إلى حياةٍ لا تنتهي، إلى خلودٍ لا يذبل، إلى وعدٍ آمن به حتى آخر نبضة.
كان ماهر يؤمن بما جاء في كتاب الله العزيز: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾، وكان هذا الإيمان ليس كلمة تُقال، بل معنىً يسكن القلب ويُترجم إلى فعل، فالإيمان كما عرّفه العلماء هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل. وقد وقر في قلب ماهر يقينٌ بأن الشهيد حيّ لا يموت، وأن روحه لا تُطفأ، وأن وعد الله حقّ، فترجم ما في قلبه إلى عمل، وجعل يقينه طريقًا، وجعل الطريق فعلًا، وجعل الفعل شهادة.
وليس في الحديث عن ماهر ما يشبه مقام النبوّة، فذلك مقامٌ لا يُقاس به أحد، ولكن في سيرته معنىً يذكّر بفكرةٍ عظيمة: أن الفرد قد يحمل عبء أمةٍ كاملة حين تتخلّى الأمة عن دورها. حين قال ربّنا جلّ في علاه عن سيّدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾، كان ذلك لأن إبراهيم وقف وحده في فسطاط الإيمان بينما كانت البشرية كلها في فسطاطٍ آخر، فصار وحده أمةً كاملة لأنه حمل راية الحق حين سقطت من أيدي الناس. وهنا ( دون تشبيهٍ أو مقارنة ) يظهر المعنى: أن أمةً كاملة وجب عليها أن تتحرك جلست تشاهد، بينما ماهر وحده قام بدورها. لا تشبيه في المقام ولا مقارنة في المنزلة، ولكن الفكرة واحدة: أن الفرد قد يكون أثقل من جماعة، وأن القلب الواحد قد يكون أصدق من ألف قلب، وأن الخطوة الواحدة قد تكون أوسع من طريقٍ تمشيه أمة.
لقد رحل ماهر، لكن أثره لم يرحل. بقي في وجدان الناس، في حديث المجالس، في ذاكرة الوطن، في نبض الأردني الذي يعرف معنى الشجاعة حين تُقال، ومعنى الصدق حين يُذكر، ومعنى الانتماء حين يُختبر. بقي ماهر شاهدًا على معنى الإيمان حين يتحول إلى فعل، وعلى معنى الرجولة حين تتحول إلى موقف، وعلى معنى التضحية حين تتحول إلى خلود.
ويا أبناء ماهر… يا من حملتم اسمه و ملامحه، يا من ورثتم منه ما هو أثمن من المال والجاه، ورثتم منه معنىً لا يُشترى ولا يُباع ولا يُقاس. إن الفقد الذي عرفتموه ليس فقدًا عاديًا، وإن الدمع الذي نزل من أعينكم لم يكن دمعة يتيمة، بل دمعة حملتها قلوب أمةٍ كاملة. أنتم لستم أبناء رجلٍ رحل، بل أبناء رجلٍ بقي، بقي في الدعاء، في الذكر، في الفخر، في كل قلبٍ يعرف معنى العزة. ارفعوا رؤوسكم، فليس في الرفع كبرياء بل وفاء، وليس فيه تعالٍ بل اعترافٌ بفضلٍ لا يُنكر. أنتم امتداد ماهر، وأنتم صوته الذي لم يخفت، وأنتم أثره الذي لم يغب. واعلموا أنكم أبناؤنا… ، أبناؤنا لكم علينا حقٌ لا يسقط، وواجبٌ لا يُهمل لن نترككم، ولن نتخلى عنكم، ولن تكونوا يومًا وحدكم، فأنتم جزءٌ من هذا الإرث، من هذا الفخر، من هذا الطريق الذي بدأه والدكم وسيبقى ممتدًا بكم. هنيئًا لكم، هنيئًا لشفيعكم إن شاء الله، هنيئًا لاسمٍ تحملونه، وهنيئًا لذكرى تعيش فيكم، وهنيئًا لفخرٍ لا ينتهي.
ويبقى ماهر الجازي حيًا في المعنى، حيًا في الأثر، حيًا في الدعاء، حيًا في القلوب التي لم تنسه، حيًا كما وعد الله، عند ربّه يُرزق. ويبقى اسمه شاهدًا على أن الفرد قد يكون أمة، وأن الموقف قد يكون تاريخًا، وأن الرحيل قد يكون بدايةً لا نهاية.












































