اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ تموز ٢٠٢٦
م. سعد بن إبراهيم المعجل
حين كتبت عن أهمية فتح مسار بري وسككي يتجه من المملكة شمالاً نحو القارة الأوروبية في مقال 'السكك السعودية نحو أوروبا'، ثم كتبت عن إمكانية تحويل الربع الخالي إلى ممر إستراتيجي يصل الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي في مقال 'بوابة المستقبل بين رمال الصحراء وبحر العرب'، لم أكن أتناول مشروعين منفصلين، بقدر ما كنت أدعو إلى بناء منظومة متكاملة من الممرات التي تمنح المملكة بدائل متعددة وآمنة لحركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. واليوم أرى أن الصورة لا تكتمل إلا بمحور ثالث يتجه غرباً، يربط المملكة بمصر، ومنها إلى شواطئ البحر المتوسط شمالاً، وإلى وادي النيل وقلب أفريقيا وسواحلها جنوباً.
إن فكرة الربط البري بين المملكة ومصر ليست جديدة؛ إذ تشير مجلة 'MEED' إلى أن مناقشاتها تعود إلى عام 1988، ثم عادت بصيغ متعددة خلال السنوات اللاحقة. وكان من أبرز التصورات القديمة إنشاء معبر عبر مضيق تيران، يمتد من منطقة رأس حميد في تبوك إلى منطقة رأس نصراني قرب شرم الشيخ، بطول إجمالي قُدّر في بعض التصورات القديمة بنحو 32 كيلومتراً. وبحسب 'واس' أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- الاتفاق مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على إنشاء جسر بري يربط البلدين عام 2016م، وهو ما رفع الفكرة من مستوى الدراسات والمقترحات إلى مستوى الإرادة السياسية المعلنة.
لقد أثبتت الأزمات الإقليمية والعالمية أن أمن سلاسل الإمداد لم يعد يُقاس فقط بأقصر الطرق وأقلها تكلفة في الظروف الطبيعية، بل بقدرة الاقتصاد على الاستمرار عندما تتعطل بعض الطرق أو ترتفع مخاطرها. ولذلك فإن الهدف ليس الاستغناء عن مضيق هرمز، أو باب المندب، أو قناة السويس، فهذه ممرات حيوية ستظل ذات أهمية كبرى، وإنما الهدف هو ألا تبقى تجارتنا وصادراتنا ووارداتنا رهينة مسار واحد أو مضيق واحد. فالدول الصناعية الكبرى لا تبني طريقاً واحداً ثم تعتمد عليه إلى الأبد، بل تبني محفظة من الممرات؛ بحراً وبراً وسككاً وأنابيب، بحيث تعمل هذه المسارات معاً، ويتولى أحدها دعم الآخر عند الحاجة. ومن هنا تأتي فكرة الجسر السعودي-المصري بوصفه ضلعاً ثالثاً في شبكة الممرات السعودية: محور شمالي نحو أوروبا، ومحور جنوب شرقي نحو بحر العرب والمحيط الهندي، ومحور غربي نحو مصر والبحر المتوسط وأفريقيا. ويعد هذا المشروع ضرورة إستراتيجية لأنه يفتح بوابة سعودية مباشرة إلى أفريقيا ويعزز مرونة سلاسل الإمداد السعودية.
وهنا أتمنى ألا ينحصر المشروع في مفهوم 'جسر بري' تمر فوقه السيارات والشاحنات فقط، بل علينا أن ننظر إليه منذ البداية بوصفه ممراً قارياً متعدد الوسائط والمرافق، يبدأ من منطقة تبوك وشمال غرب المملكة، ويعبر إلى شبه جزيرة سيناء، ثم يرتبط بشبكات النقل والسكك والموانئ والمناطق الصناعية المصرية. وأن يضم هذا الممر أيضاً -وفق ما تثبته دراسات الجدوى- سكة حديدية مخصصة لنقل البضائع والركاب، وطريقاً برياً آمناً، وممراً لخدمات الطاقة يمكن أن يستوعب أنابيب للنفط والغاز والمنتجات المكررة، ومسارات مستقبلية للهيدروجين ومشتقاته، إلى جانب خطوط الكهرباء والألياف البصرية والاتصالات. وهذا لا يعني بالضرورة وضع جميع هذه المرافق فوق هيكل إنشائي واحد؛ فمتطلبات السلامة قد تجعل الأنابيب وخطوط الخدمات تمر في نفق مستقل أو مسار بحري أو بري موازٍ، بينما تعبر السكك والطرق فوق جسر أو داخل نفق آخر. المهم أن يُخطط للمشروع باعتباره حزمة مترابطة من البنى التحتية، لا منشأة منفردة يُكتشف لاحقاً أنها لا تستوعب متطلبات سلاسل الإمداد في المستقبل. كما أن قيمة المشروع لن تتحقق بمجرد الوصول من الساحل السعودي إلى الساحل المصري؛ فالجسر الذي لا يتصل بشبكة سكك وموانئ ومناطق لوجستية على الجانبين سيبقى معبراً محلياً مرتفع التكلفة، لا ممراً بين آسيا وأفريقيا، ومنطقة الخليج والبحر المتوسط.
إن الجسر السعودي - المصري ليس مشروعاً لصب الخرسانة فوق البحر، ولا معلماً هندسياً يُراد له أن يلفت الأنظار فقط، بل مشروع أمن اقتصادي وصناعي وطاقي، يختصر المسافات، ويضاعف الخيارات، ويحول الموقع الجغرافي للمملكة ومصر إلى قيمة إنتاجية وتجارية مستدامة. والمشروع لن يلغي الممرات القائمة، وإنما سيجعلها تعمل ضمن شبكة أكثر مرونة. ولن يربط شاطئين فحسب، بل يستطيع أن يربط المصانع بالأسواق، ومناطق الإنتاج بالموانئ، وشبكات الطاقة بعضها ببعض، وأن يفتح أمام المملكة طريقاً غربياً نحو المتوسط وأفريقيا، مثلما نعمل على فتح طرقنا شمالاً نحو أوروبا وجنوباً نحو بحر العرب.
وفي الختام أقول: إن الدول لا تصنع مستقبلها بما تمتلكه من موارد فحسب، وإنما بما تنشئه من ممرات تربط تلك الموارد بالأسواق العالمية، ولعل ما يعزز هذه الرؤية أن المملكة بدأت بالفعل في الاستثمار في ممرات الربط الرقمي العابرة للحدود، ومن أبرزها مشروع 'SilkLink' الذي تقوده مجموعة stc عبر سوريا، والهادف إلى إنشاء شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4,500 كيلومتر ومراكز بيانات ومحطات للكوابل البحرية وتدعم انتقال البيانات بين الأسواق العربية والآسيوية والأوروبية باستثمارات تتجاوز 3 مليارات ريال بحسب 'واس'، وهذا يؤكد أن مفهوم الممرات الإستراتيجية لم يعد يقتصر على حركة السفن أو الشاحنات أو خطوط الطاقة، بل أصبح يشمل أيضاً البنية التحتية الرقمية التي تنقل البيانات والحوسبة السحابية والاقتصاد الرقمي. ومن هنا فإن الجسر السعودي - المصري، إذا نُظر إليه ضمن هذه المنظومة المتكاملة، يمكن أن يشكل حلقة وصل بين ممرات الطاقة والنقل والاتصالات، بما يجعل المملكة مركزاً لتدفق السلع والطاقة والبيانات في آنٍ واحد. وبمثل هذه المشروعات لا تكون المملكة واقعة عند ملتقى القارات فحسب، بل تصبح صانعة للممرات التي تصل بينها. وهنا أود أن أشكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود والأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- على ما يوليانه من دعم ورؤية استشرافية لتطوير قطاعات الصناعة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والاستثمار، وهي ركائز ترسخ مكانة المملكة قوةً اقتصاديةً وصناعيةً ولوجستيةً عالمية، وتفتح أمام القطاع الخاص آفاقاً واسعة للمشاركة في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً للوطن.










































