اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - هناك تحولات اجتماعية لا تبدأ بقرار ولا تحدث في يوم واحد، لكنها تتسلل إلى المجتمع ببطء حتى يصبح أثرها أكبر من أن يُتجاهل. والعزوف عن الزواج أو تأخره في الأردن واحد من هذه التحولات؛ فالمسألة لم تعد حكاية شاب يؤجل زواجه عاماً أو فتاة تنتظر شريكاً مناسباً، بل أصبحت مرتبطة بالاقتصاد والسكن والعمل والإنجاب وشكل الأسرة، وربما بالتركيبة الاجتماعية للمملكة خلال العقود المقبلة.
كان الزواج في أجيال سابقة محطة مبكرة نسبياً في حياة الإنسان. ينهي الشاب دراسته، يحصل على وظيفة، يبدأ حياته الأسرية، ثم تتحسن ظروفه تدريجياً. أما اليوم، فقد انعكست المعادلة لدى كثيرين؛ إذ يريد الشاب أن يستقر مالياً أولاً، وأن يمتلك دخلاً مناسباً وربما مسكناً أو قدرة على تحمل إيجاره، قبل أن يدخل في التزام طويل الأمد.
وهنا تبدأ المشكلة؛ فالاستقرار الاقتصادي نفسه أصبح يحتاج إلى وقت أطول.
الشاب الذي يتخرج من الجامعة قد يمضي سنوات في البحث عن وظيفة، ثم يبدأ براتب محدود، وبعدها يحتاج إلى الادخار لتغطية تكاليف الزواج والسكن والأثاث والالتزامات الجديدة. وعندما يقترب من تحقيق جزء من ذلك، يكون قد تجاوز العمر الذي كان آباؤنا وأجدادنا يبدأون عنده تكوين أسرهم.
لذلك فإن اختزال المشكلة بالقول إن «الشباب لا يريدون الزواج» لا يقرأ الواقع كاملاً. في حالات كثيرة، الرغبة موجودة، لكن المعادلة الاقتصادية أصبحت أثقل من الرغبة.
ولا يمكن كذلك تحميل تكاليف الأعراس وحدها المسؤولية. نعم، المبالغة في الحفلات والمهور والمظاهر قد تزيد العبء، لكن المشكلة أعمق. فالعرس ليلة، بينما الزواج ميزانية شهرية تستمر سنوات. إيجار أو قسط منزل، ماء وكهرباء، غذاء، نقل، علاج، ثم أطفال وتعليم وحضانة وغيرها.
الشاب لا يحسب كلفة ليلة واحدة فقط؛ يحسب كلفة حياة كاملة.
ومن هنا تغير أيضاً مفهوم «الجاهزية للزواج». في الماضي كان المجتمع أكثر تقبلاً لفكرة أن يبدأ الزوجان بالقليل ثم يبنيا حياتهما معاً. اليوم ارتفعت في بعض البيئات توقعات البداية: منزل مجهز، سيارة، دخل مستقر، حفل، أثاث ومستوى معيشي محدد منذ اليوم الأول.
وبذلك أصبح بعض الشباب يشعر بأنه مطالب في بداية حياته بما احتاج الجيل السابق إلى سنوات طويلة حتى يصل إليه.
لكن الاقتصاد ليس العامل الوحيد. المجتمع نفسه تغير.
ارتفع مستوى التعليم، واتسعت طموحات الشباب، وأصبحت المرأة أكثر حضوراً في الجامعة وسوق العمل، وتغيرت نظرة الطرفين إلى الشريك والحياة الزوجية. لم يعد الزواج عند كثيرين مجرد استحقاق اجتماعي ينبغي إنجازه في عمر محدد، بل قراراً يريد الإنسان أن يشعر بأنه مناسب له نفسياً وفكرياً واقتصادياً.
وهذا التحول يحمل جانباً إيجابياً أيضاً. فالزواج المدروس أفضل من زواج يتم فقط لأن المجتمع قرر أن العمر المناسب قد حان. ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول تأخر الزواج إلى ضغط على الشباب والفتيات للارتباط بأي ثمن.
لكن عندما يصبح التأخير واسعاً وتكون أسبابه مرتبطة بعوائق اقتصادية واجتماعية قابلة للمعالجة، فإن المسألة تنتقل من القرار الشخصي إلى قضية تستحق اهتمام السياسات العامة.
لأن الزواج لا يتعلق بشخصين فقط من زاوية الدولة والمجتمع. إنه نقطة البداية لتكوين الأسرة، والأسرة مرتبطة بالإنجاب والسكن والاستهلاك والتعليم وسوق العمل وحتى التخطيط للمدن والخدمات.
إذا ارتفع متوسط عمر الزواج، فإن توقيت الإنجاب يتغير غالباً. وإذا انخفض عدد الزيجات أو أصبح تكوين الأسرة أصعب، فقد يتغير معدل الخصوبة مستقبلاً. ومع استمرار الاتجاه لعقود، تبدأ التركيبة العمرية للسكان بالتغير.
هذه ليست نتائج تظهر في العام المقبل، ولذلك قد لا نشعر بخطورتها سريعاً.
الديموغرافيا تتحرك ببطء، لكنها عندما تتغير يصعب عكس اتجاهها بسرعة.
الدول التي شهدت تراجعاً كبيراً في الزواج والإنجاب اكتشفت لاحقاً أن القضية لم تعد اجتماعية فقط؛ أصبح لديها عدد أكبر من كبار السن مقابل عدد أقل من الشباب الداخلين إلى سوق العمل، وارتفعت الضغوط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، واضطرت الحكومات إلى إنفاق مبالغ ضخمة لتشجيع الأسر على الإنجاب بعدما أصبح تغيير السلوك الاجتماعي أكثر صعوبة.
الأردن ليس بالضرورة في الوضع نفسه، ولا يجوز القفز إلى استنتاجات ديموغرافية بلا بيانات، لكن من الحكمة قراءة الإشارات مبكراً بدلاً من انتظار تحولها إلى مشكلة مكتملة.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش مختلفاً عن الدعوات التقليدية إلى «تسهيل الزواج». المطلوب ليس صندوقاً يدفع تكلفة حفلة، وإنما بيئة تجعل تكوين الأسرة قابلاً للحياة اقتصادياً.
وأول هذه الملفات هو العمل.
عندما يحصل الشاب على وظيفة مستقرة في عمر مبكر، فإنه لا يحصل على راتب فقط؛ يحصل على القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأمد. الزواج واحد منها. ولذلك فإن كل سنة بطالة إضافية في بداية حياة الشاب لا تؤخر مساره المهني وحده، بل قد تؤخر سلسلة كاملة من القرارات الاجتماعية.
وهذا يجعل مكافحة البطالة سياسة أسرية أيضاً، حتى وإن لم نستخدم هذا الوصف عادة.
ثم يأتي السكن، وهو ربما أكبر التزام مالي طويل الأجل أمام الأسرة الجديدة. لا يحتاج كل زوجين إلى امتلاك منزل منذ اليوم الأول، لكنهما يحتاجان إلى سوق إيجار عادلة وخيارات سكن تتناسب مع دخلهما ونقل عام يسمح بالسكن في مناطق أقل كلفة دون أن يتحول الوصول إلى العمل إلى رحلة يومية مرهقة.
وهنا نرى كيف تتشابك الملفات. النقل ليس مجرد حافلة، والإسكان ليس مجرد شقة، والعمل ليس مجرد وظيفة؛ كلها عوامل تحدد قدرة الإنسان على تأسيس أسرة.
كما أن المجتمع نفسه يحتاج إلى مراجعة بعض توقعاته. إذا كنا قلقين فعلاً من صعوبة الزواج، فلا يمكن في الوقت ذاته أن نحول المناسبة إلى امتحان مالي للعريس وأسرته أو منافسة اجتماعية بين العائلات.
ليس من المنطق أن نشكو من تأخر الزواج ثم نرفع كلفة بدايته بالمظاهر.
وهذه المسؤولية لا تقع على طرف واحد. الأسرة تستطيع أن تسهل أو تعقد، والشاب والفتاة يستطيعان تحديد أولوياتهما، والمجتمع يستطيع أن يعيد الاعتبار إلى فكرة البداية البسيطة.
فالزواج الناجح لا تقاس قيمته بعدد المدعوين إلى الحفل، ولا بثمن الأثاث، ولا بمساحة المنزل الذي بدأ فيه الزوجان.
القيمة الحقيقية في قدرة شخصين على بناء حياة مستقرة.
وهناك جانب آخر أكثر حساسية يجب ألا نتجاهله: الخوف من فشل الزواج.
الشباب اليوم يشاهدون تجارب من حولهم بصورة أكبر، وتصل إليهم يومياً قصص الخلاف والطلاق والنزاعات الأسرية عبر وسائل التواصل. وقد يجعل ذلك بعضهم أكثر حذراً تجاه الارتباط.
كما أن ارتفاع التوقعات العاطفية من الزواج قد يجعل اختيار الشريك أكثر تعقيداً. لم يعد المطلوب لدى البعض مجرد التوافق الاجتماعي؛ هناك توافق فكري وعاطفي ومهني ونمط حياة وطموحات مستقبلية.
وهذا ليس سيئاً في ذاته، لكنه يجعل القرار يحتاج إلى نضج أكبر.
لذلك فإن معالجة ظاهرة العزوف أو التأخر لا يمكن أن تكون اقتصادية فقط. نحتاج أيضاً إلى ثقافة أسرية جديدة تعلم الشباب معنى الشراكة وإدارة الخلاف والمال والمسؤولية قبل الزواج، بدلاً من أن يتعلم الزوجان كل ذلك بعد دخولهما البيت.
وربما نحتاج إلى أن نتوقف أصلاً عن استخدام كلمة «العزوف» لكل من لم يتزوج. فهناك من يعزف فعلاً عن الفكرة، وهناك من يؤجلها، وهناك من لم يجد الشريك المناسب، وهناك من يريد الزواج لكنه لا يستطيع تحمل تكلفته.
وضع الجميع تحت عنوان واحد قد يخفي الأسباب الحقيقية.
ولهذا فإن أول خطوة في أي سياسة جادة هي البيانات. نحتاج إلى معرفة أعمار الزواج الأول واتجاهاتها، والفروق بين المحافظات، والعلاقة بالدخل والعمل والتعليم والسكن، وأسباب التأخير كما يصفها الشباب أنفسهم، لا كما نتخيلها نيابة عنهم.
عندها فقط نستطيع أن نعرف هل المشكلة أساسها اقتصادي، أم اجتماعي، أم تغير في القيم والتفضيلات، أم مزيج من كل ذلك.
والأرجح أنها مزيج.
المهم ألا نتعامل مع الزواج بوصفه ملفاً تستطيع الحكومة أن تديره بقرار. فالناس أحرار في أن يتزوجوا أو لا يتزوجوا، وفي اختيار توقيت حياتهم وشركائهم، وهذه مساحة شخصية يجب احترامها.
دور الدولة مختلف: أن تزيل العوائق غير الضرورية أمام من يريد تكوين أسرة.
وظيفة أفضل.
سكن أكثر قابلية للتحمل.
نقل أقل كلفة.
حضانات تساعد الزوجين العاملين.
تعليم لا يستنزف دخل الأسرة.
وخدمات صحية تمنحها شعوراً أكبر بالأمان.
هذه السياسات لا تقول للإنسان «تزوج»، لكنها تجعل الزواج أقل ارتباطاً بالخوف من المستقبل.
والقطاع الخاص أيضاً جزء من المعادلة. ساعات العمل الطويلة، ضعف المرونة، صعوبة التوفيق بين الأسرة والعمل، وخصوصاً للنساء، كلها تؤثر في قرارات الزواج والإنجاب. المجتمع الذي يريد أسراً مستقرة يحتاج إلى سوق عمل يستطيع الإنسان أن يكون داخله موظفاً وأباً أو أماً في الوقت نفسه.
وهنا تظهر قضية المرأة بصورة خاصة. ليس الحل أن نطلب من الأردنية الاختيار بين حياتها المهنية وأسرتها. المطلوب بناء بيئة تستطيع فيها الجمع بين الاثنين إذا أرادت، من خلال الحضانات وسياسات العمل المرنة وإجازات مناسبة وتقاسم المسؤوليات داخل الأسرة.
فالعودة إلى نموذج اجتماعي قديم ليست حلاً لتحولات حديثة.
الحل هو بناء نموذج جديد يناسب الواقع الجديد.
وفي النهاية، أخطر ما في تغير أنماط الزواج أنه يحدث بهدوء. لا توجد لحظة واحدة نستطيع الإشارة إليها والقول إن المجتمع تغير عندها. كل عام يتأخر جزء من الشباب، وتنخفض أو ترتفع مؤشرات، وتتغير الأولويات، ثم بعد عشرين عاماً نكتشف أننا أمام مجتمع مختلف.
لذلك فإن الموضوع لا يحتاج إلى تخويف الشباب ولا إلى محاضرات أخلاقية، بل إلى قراءة هادئة لما يجري.
إذا كان الأردنيون يؤخرون الزواج لأنهم أصبحوا أكثر حرصاً على اختيار الشريك المناسب، فهذا تحول اجتماعي يمكن فهمه. وإذا كانوا يؤخرونه لأن الوظيفة والسكن وتكاليف الحياة جعلت تأسيس الأسرة خارج قدرتهم، فهذه قضية اقتصادية ينبغي التعامل معها. وإذا اجتمع العاملان، فعلينا أن نبني سياسات تفهم الاثنين معاً.
فالأسرة لا تُبنى بالشعارات، كما أنها لا تُبنى بالمال وحده.
تحتاج إلى فرصة، واستقرار، وثقة بالمستقبل، وثقافة تجعل البداية الممكنة مقبولة بدلاً من انتظار البداية المثالية.
العزوف عن الزواج يعيد تشكيل المجتمع الأردني بصمت، وما يبدو اليوم قراراً شخصياً داخل آلاف البيوت قد يصبح بعد سنوات واحداً من أهم التحولات الاجتماعية والديموغرافية في المملكة.
ولهذا فإن القضية ليست أن نقنع الشباب بالزواج، بل أن نبني أردناً يشعر فيه من يريد الزواج بأن تأسيس أسرة لا يعني بدء حياته مثقلاً بالخوف والديون والقلق من الغد.












































