اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٦ أيلول ٢٠٢٦
ثمة جملة تتردد كثيرًا في المؤسسات، وقد تبدو في ظاهرها منطقية: «لقد خدم سنوات طويلة، ومن حقه أن يحصل على منصب»، لكن بين احترام سنوات الخدمة وبين تحويل الأقدمية إلى جواز عبور نحو كل موقع إداري مسافة واسعة لا ينبغي تجاوزها، فالخدمة الطويلة تستحق التقدير، والخبرة المتراكمة قيمة لا يمكن إنكارها، لكن الإدارة ليست مكافأة نهاية مسار، والمنصب العام ليس جائزة تمنح للموظف لأنه أمضى عددًا معينًا من السنوات، هناك فرق بين أن يكون الإنسان خبيرًا في عمله وبين أن يكون قادرًا على قيادة مؤسسة، وبين أن يكون موظفًا متميزًا وبين أن يكون مؤهلًا لإدارة فريق، وبين أن ينجح في مهمته الحالية وبين أن ينجح بالضرورة في مهمة مختلفة تمامًا.
المشكلة تبدأ عندما تختلط هذه المفاهيم. فالمنصب الإداري يحتاج إلى مجموعة من القدرات لا تظهر بالضرورة في سنوات الخدمة وحدها؛ يحتاج إلى القدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الوقت، وفهم الأنظمة، والتواصل مع الموظفين، وحل النزاعات، وتحمل ضغط المسؤولية، وقراءة البيانات، وتحديد الأولويات، وتحويل الخطط إلى نتائج، وقد يكون موظف ما ممتازًا في تخصصه، لكنه لا يرغب أصلًا في الإدارة أو لا يمتلك أدواتها، وقد يكون آخر أقل سنوات في الخدمة، لكنه يمتلك مهارات قيادية اكتسبها بالتجربة والتدريب والممارسة، فهل تكون العدالة أن نختار الأول لمجرد أنه الأقدم؟ أم أن العدالة تقتضي أن نقيس متطلبات الموقع ثم نبحث عمن تتوافر فيه؟
لا يعني هذا أن الأقدمية بلا قيمة. على العكس، فالخبرة المتراكمة تمنح صاحبها معرفة بالتفاصيل، وفهمًا للتحديات، وقدرة على قراءة السياق المؤسسي. لكنها عنصر من عناصر الاختيار وليست الاختيار كله، والمشكلة ليست في الأقدم أو الأصغر سنًا، وإنما في تحويل معيار واحد إلى قاعدة تصلح لكل المواقع، الإدارة الرشيدة لا تسأل فقط: كم سنة خدم؟ بل تسأل أيضًا: ماذا تعلم خلال هذه السنوات؟ ماذا أنجز؟ كيف تعامل مع المشكلات؟ هل يستطيع إدارة الآخرين؟ هل يتقبل الرأي المختلف؟ هل يملك قدرة على تطوير نفسه؟ وهل يستطيع الانتقال من عقلية تنفيذ المهمة إلى عقلية تحمل مسؤولية النتائج؟
ومن هنا تظهر أهمية أن تكون معايير الاختيار واضحة قبل الإعلان عن النتيجة، لا أن تُصاغ المعايير بعد معرفة الشخص الذي نريد اختياره، فالقرار الإداري يصبح أكثر عدالة عندما يعرف الموظفون مسبقًا ما الذي يجعل شخصًا مؤهلًا لموقع ما، وما المؤهلات والخبرات والكفايات المطلوبة، وكيف ستتم المفاضلة، وعندما تكون المعايير قابلة للقياس، يصبح الاختلاف في النتائج أمرًا يمكن مناقشته مهنيًا، بدل أن يتحول إلى حديث عن العلاقات والتدخلات والتفسيرات الشخصية، أما عندما لا يعرف أحد لماذا وصل شخص إلى موقع قيادي، فإن السؤال عن عدالة القرار سيظهر تلقائيًا، حتى لو كان القرار في حقيقته سليمًا.
وتتجه منظومة تحديث القطاع العام في الأردن إلى تعزيز إدارة الموارد البشرية القائمة على الجدارة والكفايات والتنافس وتطوير القيادات، وهي توجهات تعكس فكرة أساسية: أن الموقع الوظيفي ينبغي أن يرتبط بمتطلبات الوظيفة وقدرة شاغلها على تحقيق النتائج، لا بمجرد الأقدمية أو الانطباع الشخصي.
لكن التحدي لا يكمن في كتابة المعايير فقط؛ التحدي في أن يثق الموظفون بأنها تطبق عليهم جميعًا، فالأنظمة تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا كان تطبيقها انتقائيًا، والموظف لا يحتاج إلى أن يحصل على كل ما يريده حتى يشعر بالعدالة، لكنه يحتاج إلى أن يعرف أن الشخص الذي حصل على الفرصة وصل إليها عبر طريق مهني يمكنه هو أيضًا أن يسلكه، هذه الفكرة وحدها قادرة على تحويل المنافسة داخل المؤسسة من صراع على العلاقات إلى سباق نحو تطوير الذات.
ثم إن وضع الشخص المناسب في الموقع المناسب ليس مصلحة للموظفين وحدهم، إنه حماية للمؤسسة نفسها، المدير غير المناسب قد يتخذ قرارات مكلفة، أو يستهلك وقت فريقه في تفاصيل غير ضرورية، أو يخلق بيئة من التوتر، أو يفشل في اكتشاف المشكلات مبكرًا، وفي المقابل، القائد الذي يفهم دوره يستطيع أن يوزع المسؤوليات، ويستثمر الخبرات، ويمنح الموظفين مساحة للمبادرة، ويحاسب على النتائج دون أن يحول الإدارة إلى رقابة خانقة، ولهذا فإن اختيار القيادات يجب أن ينظر إلى أثر القرار على المؤسسة كلها، لا إلى رضا الشخص الذي حصل على الموقع.
ومن الأخطاء الشائعة أيضًا أن نفترض أن الشخص الذي نجح في موقعه الحالي سينجح تلقائيًا في الموقع الأعلى، الترقي ليس دائمًا امتدادًا رأسيًا للوظيفة؛ أحيانًا هو انتقال إلى طبيعة عمل مختلفة تمامًا، الموظف قد يكون بارعًا في التنفيذ، بينما يحتاج الموقع الجديد إلى التخطيط، وقد يكون متخصصًا ممتازًا، بينما تتطلب الإدارة الجديدة القدرة على إدارة أشخاص مختلفين وتوازن مصالح متعددة، لذلك فإن الترقية العادلة لا ينبغي أن تسأل فقط: هل نجح في مهمته السابقة؟ بل: هل يمتلك مقومات المهمة الجديدة؟
وفي النهاية، فإن احترام الموظف لا يكون بمنحه منصبًا لمجرد أنه يستحق التكريم، وإنما بوضعه في المكان الذي يستطيع فيه أن يحقق أفضل ما لديه، وربما يكون أكبر ظلم للموظف أن نضعه في موقع لا يناسبه ثم نحاسبه على نتائج لم يكن مؤهلًا لتحقيقها، وأكبر ظلم للمؤسسة أن تتعامل مع المناصب باعتبارها جوائز توزع، بينما هي في الحقيقة مسؤوليات يدفع المجتمع كله ثمن نجاحها أو فشلها.
فالمنصب العام لا ينبغي أن يكون نهاية رحلة الموظف، بل بداية امتحان جديد، والسؤال الذي يجب أن يسبق كل قرار تكليف أو ترقية ليس: من يستحق المكافأة؟ وإنما: من يستطيع حمل المسؤولية؟ لأن الدولة لا تحتاج إلى أشخاص يملؤون المواقع فقط؛ تحتاج إلى أشخاص يفهمون أن كل موقع عام هو أمانة، وأن قيمة المنصب لا تأتي من اسمه، بل من الأثر الذي يتركه صاحبه بعد أن يغادره.












































