اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
حسين الحربي
في هذه الزاوية، يأخذنا الكاتب والقاص والروائي السعودي عبد الحليم البراك إلى عوالم القراءة، عبر خمسة كتب تنقّل بينها مؤخرًا بين التراث والرواية والفلسفة والتاريخ والسيرة الأدبية. والبراك، الذي صدرت له أعمال عدة، من بينها روايتا «عمر الشيطان» و»أرض الغجرية»، وكتابه الأحدث «تفاصيل سعودية صغيرة» الذي يرصد فيه تحولات المجتمع السعودي خلال العقود الخمسة الماضية، من خلال ما اطلع عليه مؤخراً ويوصي بقراءتها.
من النبي إلى البخاري – أحمد صنوبر
يكمن سحر الكتاب في سؤال أكبر مما قد يظنه القارئ العابر: كيف يمكنك أن تكتب كتابًا في التراث الإسلامي بحيث يكون حاضرًا، نصًا وموضوعًا، في وقتنا الراهن؟
أخذني المؤلف في رحلة تمتد من لحظة تلقّي الصحابة الحديث عن النبي، إلى عصر تدوينه في المصنفات الحديثية الكبرى. وهو تحدٍ نجح أحمد صنوبر في تجاوزه بإبداع؛ إذ يعرض تاريخ رواية الحديث من عصر النبي إلى عصر الإمام البخاري، من دون أن تشعر وأنت تقرأ بأنك أمام سرد تاريخي جاف، وإنما رحلة تجعل النص الذي وصل إليك اليوم أكثر وضوحًا وطمأنينة.
ولعل أبرز ما يمكن أن أقوله بعد انتهائي من قراءة الكتاب: ليته لم يتوقف عند البخاري!
الحدقي – أحمد فال ولد الدين
كيف يمكنك أن تتخيل عملًا روائيًا لا يكون غنيًا إذا كان أحد طرفي معادلته الجاحظ، والطرف الآخر روائيًا موريتانيًا استخدم قاعدته القرائية الواسعة ليعيد صياغة صورة الجاحظ روائيًا؟
المسألة هنا ليست سهلة؛ فالجاحظ ليس شخصية عادية، بل شخصية استثنائية في تاريخنا الأدبي والثقافي. إنه مدرسة وإمام وعالم وأديب واسع المعرفة، ساخر ومشاكس وشديد الملاحظة، عاش وسط زمن تتصارع فيه السلطة والأفكار والمذاهب، وصاحب مشروع فكري ولغوي لا يزال حاضرًا بعد أكثر من ألف عام.
لهذا كان تحويل الجاحظ إلى مادة روائية مغامرة كبيرة، وكان التوقع الطبيعي أن يكون العمل أكبر من مجرد رواية عن شخصية تاريخية. وهذا ما يجعل «الحدقي» ممتعًا وغنيًا؛ إذ لا يكتفي الروائي الموريتاني أحمد فال ولد الدين باستدعاء الجاحظ، وإنما يحاول إعادة تقديمه بصورة تتيح للقارئ المعاصر أن يعيش معه ويتعايش مع عالمه.
وأعتقد أن أجمل ما في الرواية أن ثقافة أحمد فال ولد الدين لا تبقى خارج النص، وإنما تتحول إلى مادة روائية موازية؛ فتشعر أنك أمام روائي يعرف جيدًا الشخصية التي يكتب عنها، ويعرف العصر الذي يريد إعادة بنائه.
أنهت وفاة الجاحظ العمل الروائي فجأة، وكأن الرواية نفسها لم تكن تريد أن تفقد بطلها. ولو طالت صفحاتها، لما شعرت بالضجر.
في صالون العقاد كانت لنا أيام – أنيس منصور
في صالون العقاد كانت هناك جامعتان: جامعة العقاد وجامعة أنيس منصور. يأخذنا المؤلف إلى عالم عباس محمود العقاد، وإلى ذلك الصالون الذي كان يجتمع فيه الأدباء والمثقفون وأصحاب الفكر، ويروي حكايات ومواقف دارت بين العقاد وضيوفه.
لكن الكتاب ليس مجرد ذكريات عن شخصية أدبية كبيرة، نختلف معها ونغضب كما فعل كثيرون، ونتفق معها ونرضى كما فعل آخرون. إنه كتاب عتيق قُتل قراءة وثناءً وحبًا وبغضًا واختلافًا واتهامًا وقلقًا وصراعًا.
ومهما يكن من أمر، يستعرض أنيس منصور عضلاته المعرفية وموسوعيته، لكن المشكلة الجميلة أن هذا الاستعراض لا يجعلك تشعر بأنه انتهى إلى المعرفة، وإنما يجعلك تشعر أنك بدأت للتو البحث عنها. بمعنى آخر، يراكم في داخلك الأسئلة ويخلق الرغبة في البحث؛ فلا تتجاوز صفحة إلا وقلمك يخط الموضوعات التي ستقرأ فيها وعنها من بعده.
كل صفحة تقود إلى سؤال، وكل سؤال يفتح بابًا إلى كتاب آخر، أو شخصية أخرى، أو فكرة أخرى. فتجد نفسك لا تقرأ فقط ما يقوله أنيس منصور، وإنما تبحث عما وراء ما قاله.
وهنا تكمن إحدى متع الكتاب؛ فالثقافة فيه ليست معلومات معروضة أمامك، بل إشارات صغيرة تستفز القارئ وتفتح شهيته نحو المزيد من القراءة والبحث. ولذلك فإن قراءة «في صالون العقاد كانت لنا أيام» متعة لا يقطع حبل أفكارك فيها سوى الغلاف الأخير، حين تكتشف أن الكتاب انتهى فجأة.
الطمأنينة الفلسفية – سعيد ناشيد
السؤال الكبير الذي يطرحه الكتاب ضمنًا: هل يمكن أن تقودنا الفلسفة إلى مزيد من الشك، أم إلى مزيد من الطمأنينة؟
لا يقدم سعيد ناشيد الفلسفة بوصفها مجموعة من الأسئلة المجردة التي يثقل بها الفلاسفة عقول القراء، وإنما وسيلة لفهم الإنسان نفسه، ومواجهة الخوف والقلق والغضب والاضطراب الداخلي.
لا شك أن عنوان الكتاب يجيب عن السؤال، لكن هذا لم يكن مفتاح الولوج إليه بالنسبة لي. المفتاح كان عندما تصبح الفلسفة طريقة حياة؛ فالسحر يكمن في عرض الطمأنينة باعتبارها حالة إنسانية يمكن الوصول إليها ومعايشتها، بحيث تنتقل من كونها فكرة في كتاب إلى راحة وهدوء في الحياة العامة.
وباختصار، ما يفعله سعيد ناشيد هو أنه يستعين بالفلسفة لكي يجعلك تحب الحياة ما استطعت إليها سبيلًا. لا يريد أن يجعلك فيلسوفًا بقدر ما يريد أن يجعل الفلسفة أكثر نفعًا لحياتك.
وهذه، في النهاية، واحدة من أجمل وظائف الفلسفة: ألا تزيد الحياة تعقيدًا، وإنما تساعدنا على أن نعيشها بوعي وهدوء؛ وعي لا يكون عبئًا عليك، بل طمأنينة وسلامًا.
ضحى الإسلام – أحمد أمين
لم يقدم أحمد أمين كتابًا سياسيًا، ولا كتابًا يستعرض المذاهب والطوائف، ولا تاريخًا للحركات الإسلامية في العصر العباسي الأول، وإنما عرض بوضوح الحياة الاجتماعية والثقافية وحالة العلوم في ذلك العصر.
لكن عرض الحياة الاجتماعية والثقافية في مرحلة بهذه الغزارة لا يمكن أن يكون محدودًا في جانب واحد؛ ولذلك يتنقل المؤلف بين التاريخ والاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية، ويتتبع التغيرات التي طرأت على مراكز القوى الفكرية والاجتماعية، ويقرأ المجتمع من خلال علمائه ومفكريه ومذاهبه وثقافته.
باختصار، تكمن قيمة الكتاب الكبرى في أنه لا يقدم التاريخ بوصفه سلسلة من التواريخ والأسماء، بل بوصفه حركة مجتمع وعقول وأفكار.
وإذا كان العصر العباسي الأول يمثل واحدة من أكثر الفترات الإسلامية ثراءً، وكانت بغداد في ذلك الوقت قبلة للعلم والثقافة، فإن أحمد أمين كان، في رأيي، من أفضل من استطاع أن يتلو علينا حكاية ذلك العصر؛ لا باعتباره تاريخًا محفوظًا، وإنما حياة نابضة عاش فيها الناس وتجادلوا وفكروا واختلفوا وأنتجوا المعرفة.










































