اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - بعد كل اعتداء إرهابي، يتوحّد الأردنيون في الحزن والغضب، وتلتف القلوب حول أسر الشهداء، وتتجدد الثقة برجال الأمن الذين يواجهون الخطر لحماية الناس. لكن المسؤولية الوطنية تستمر بعد انحسار الصدمة؛ ففي تلك اللحظة يبدأ الامتحان الأصعب: تحويل الألم إلى معرفة، والمعرفة إلى إجراءات تقلل فرص تكرار الجريمة.
ومع مباشرة النيابة العامة لمحكمة أمن الدولة التحقيق في الاعتداء الإرهابي الذي استهدف مرتبات الأمن العام في عمّان، تبقى تفاصيل الواقعة ودوافعها وما قد يرتبط بها من مسؤوليات رهناً بما تثبته التحقيقات. أما النقاش العام، فواجبه أن يطرح أسئلة الوقاية بجدية، ويحترم حدود المعلومات المتاحة، بعيداً عن توزيع الاتهامات أو اختراع روايات تسبق الحقيقة.
الدرس الأول أن الثقة بالأجهزة الأمنية تحتاج إلى مراجعة مهنية مستمرة تسندها وتزيد قدرتها على حماية المجتمع. فكل حادثة تستحق تقييماً دقيقاً لما سبقها وما جرى خلالها: هل ظهرت مؤشرات خطر كان يمكن التقاطها؟ وهل وصلت معلومات إلى الجهات المختصة؟ وكيف جرى التعامل معها؟ هذه أسئلة لتطوير الأداء، ولا يجوز تحويلها، قبل ظهور النتائج، إلى أحكام بوجود تقصير أو نفي إمكان حدوثه.
وللمراجعة قيمة حين تترك أثراً عملياً. فإذا كشفت التحقيقات حاجة إلى تحسين إجراء، أو تطوير تدريب، أو تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات، يجب أن تتحول النتيجة إلى مسؤولية محددة ومتابعة تقيس التنفيذ. ويمكن إعلان ما تسمح به مقتضيات التحقيق والأمن، حتى يدرك المواطن أن الدروس أصبحت جزءاً من العمل المؤسسي، وأن دماء الأبرياء تفرض التزاماً يتجاوز كلمات التعزية.
ومن الدروس التي ينبغي ترسيخها أن حماية رجل الأمن مسؤولية دائمة. فهو يقف في تماس يومي مع الناس، ويؤدي واجبات تتطلب الحزم وحسن التعامل وسرعة تقدير الموقف. ومن حقه أن يحظى بتدريب متجدد وتجهيز مناسب وإسناد ميداني ورعاية صحية ونفسية، وأن تراجع إجراءات سلامته وفق طبيعة واجبه والمخاطر المحيطة به. تكريم الشهداء يكتمل بالعناية بمن يواصلون حمل المسؤولية بعدهم.
لكن الوقاية تمتد أيضاً إلى المراحل التي يتشكل فيها قبول العنف وتبريره. والمطلوب هنا فهم الطريق إلى الجريمة من خلال الأدلة: مصادر التحريض، والصلات المحتملة، والبيئة التي تسمح بتحويل الكراهية إلى استهداف للإنسان. ويجب أن يبقى هذا الفهم دقيقاً؛ فالتدين ليس تهمة، والاختلاف ليس تطرفاً، والنقد السلمي ليس خطراً أمنياً. وضوح هذه الحدود يعزز عدالة المواجهة ويمنحها ثقة المجتمع.
وفي المدرسة والجامعة والأسرة، تبدأ مسؤولية تربوية لا تختصرها محاضرة موسمية بعد وقوع الاعتداء. يحتاج الشباب إلى مساحة يسألون فيها ويناقشون، وإلى أدوات تساعدهم على التحقق من الأفكار وتمييز الحجة من التحريض. كما تحتاج المؤسسات الدينية والثقافية إلى خطاب قادر على تفكيك تبرير القتل وإهدار كرامة المختلف، بلغة مفهومة تتصل بحياة الناس وأسئلتهم.
أما في الفضاء الرقمي، فتبرز الحاجة إلى مواجهة التحريض المباشر وتمجيد الجرائم وتبرير استهداف الأبرياء، ضمن القانون وبإجراءات واضحة. وعلى الإعلام أن يتحمل نصيبه من المسؤولية؛ فيحمي كرامة الضحايا وأسرهم، ويتحقق قبل النشر، ويتجنب تحويل الجاني إلى شخصية تستحوذ على الشاشات، أو تداول تفاصيل قد تشجع على التقليد وتمنح الاعتداء مساحة تأثير إضافية.
وللمواطن دور مهم في الوقاية، يحتاج إلى قنوات إبلاغ واضحة وآمنة، وإرشادات تشرح متى تكون المعلومة جديرة بالإبلاغ. فالتهديد المحدد أو السلوك الذي ينذر بعنف يستحقان التعامل الجدي، بينما يجب حماية الناس من الوصم والاتهام بسبب مظهر أو انتماء أو خلاف شخصي. الشراكة المجتمعية تنمو حين يعرف المواطن أن بلاغه سيُقيّم بمهنية، وأن حقوق الجميع مصونة.
ومن الضروري كذلك ألّا تتحول أي جريمة إلى ذريعة لاتهام جماعي يمس مدينة أو عائلة أو فئة من المجتمع. المسؤولية يحددها القانون على أساس الفعل والدليل. وحين يحافظ الأردنيون على هذا المبدأ، فإنهم يحمون وحدتهم ويمنعون انتقال أثر الاعتداء من الضحايا المباشرين إلى الثقة بين الناس.
ولن تكون هناك وصفة تلغي الخطر تماماً، لكن هناك عملاً متراكماً يضيّق مساحته: تحقيق يكشف الحقيقة، ومراجعة تتعلم منها المؤسسات، وحماية أفضل للعاملين في الميدان، وتربية ترفض تبرير العنف، ومجتمع يعرف كيف يساند أمنه بوعي ومسؤولية. والمقياس الحقيقي هو ما يتغير بعد كل مراجعة، وما يصبح أكثر قدرة على حماية حياة الإنسان.
الأردن يملك إرادة المواجهة، والمطلوب أن تبقى إرادة التعلّم حاضرة بالقوة ذاتها. فالوفاء للشهداء عهد طويل مع أسرهم ومع الوطن، وأصدق ما يحمله هذا العهد أن نفعل كل ما نستطيع حتى لا تجد الجريمة المقبلة الطريق نفسه مفتوحاً أمامها.












































