اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ نيسان ٢٠٢٦
علي بن محمد الغامدي
منذ اللحظة التي تفتح فيها هاتفك، تبدأ منظومة تسويقية متكاملة في العمل دون أن تلاحظ ذلك، فلم تعد الإعلانات تظهر في شكلها التقليدي الصريح، حيث لا لافتات مباشرة ولا رسائل تطلب منك الشراء، ومع ذلك تجد نفسك أمام منتج تشعر أنه خيارك الشخصي، هذا الشعور هو نتيجة جيل جديد من الإعلانات غير المرئية التي يصنعها الذكاء الاصطناعي ويعيد من خلالها تشكيل تجربتك الرقمية.
التسويق اليوم لم يعد قائمًا على محاولة إقناعك، بل على مدى فهمك، فكل حركة تقوم بها داخل هاتفك تتحول إلى بيانات: نقرة عابرة، بحث سريع، أو حتى توقفك لثوانٍ أمام صورة أو فيديو. هذه التفاصيل الصغيرة تُغذي خوارزميات تتعلم منك باستمرار، وتعيد ترتيب عالمك الرقمي بما يتناسب مع احتمالات سلوكك، فما يظهر لك أولًا، وما يُخفى عنك، وما يُعاد تقديمه بصيغ مختلفة جميعها عناصر مصممة لتبدو كأنها اكتشافات شخصية، بينما هي في جوهرها جزء من عملية تسويقية متقدمة.
وعندما تبحث عن منتج في منصة تجارة إلكترونية، فالنتائج التي تراها ليست محايدة، فالذي يتصدر القائمة هو ما تتوقع الخوارزميات أنك ستشتريه، أو ما يدفع العلامات التجارية لتقديمه لك بمقابل مالي دون أن يُعرض كإعلان صريح، أما التوصيات التي تبدو عفوية، فهي في الحقيقة مخرجات نماذج تنبؤية تتوقع رغباتك قبل أن تتشكل لديك بوضوح، وهنا يتحول الإعلان من رسالة تُعرض عليك إلى تجربة تُصمَّم حولك.
أما في منصات التواصل الاجتماعي فقد أصبح المحتوى نفسه وسيلة إعلان غير مباشر، مثل فيديو يبدو ترفيهيًا، أو مراجعة تبدو طبيعية، أو منشور عابر قد يكون جزءًا من منظومة تسويقية مدمجة داخل السياق بحيث يصعب فصلها عن المحتوى الحقيقي.
الأكثر تعقيدًا أن هذه الإعلانات لا تعمل بشكل منفصل، فما تبحث عنه في محرك البحث ينعكس على ما يظهر لك في منصات الفيديو، وما تتفاعل معه هناك يعيد تشكيل الإعلانات التي تراها في تطبيقات أخرى، كون التجربة الرقمية اليوم لم تعد محصورة داخل منصة واحدة، بل أصبحت رحلة مترابطة تُدار خلف الكواليس، وتُبنى على فهم دقيق لسلوكك عبر مختلف البيئات الرقمية.
في ظل هذا الواقع، يتغير مفهوم 'الاختيار' فالمستخدم يظن أنه يتخذ قراراته بحرية، بينما الحقيقة أن الخيارات التي يراها خضعت مسبقًا لعمليات تصفية دقيقة، حيث أن الذكاء الاصطناعي لا يجبرك على الشراء، لكنه يحدد لك ما يستحق أن تفكر فيه أصلًا، وهذا بحد ذاته شكل جديد من التأثير.
هذا التحول يفرض على العلامات التجارية معادلة مختلفة، فلم يعد كافيًا إنتاج إعلان جذاب أو حملة صاخبة، إنما المطلوب اليوم القدرة على الاندماج في تجربة المستخدم اليومية دون إزعاج، وأن تكون العلامة التجارية حاضرة في اللحظة المناسبة وبالشكل الذي لا يبدو إعلانًا. فالنجاح لم يعد مرتبطًا بالضجيج، بل بالقدرة على الظهور في المكان الصحيح، في الوقت الصحيح، وبالأسلوب الذي ينسجم مع سلوك المستخدم.
الإعلانات لن تتوقف أو تختفِ أبداً ولكن ستصبح أكثر ذكاءً، فلن تقاطعك أو تضايقك بل ستستمر في مرافقتك، ولن تطلب انتباهك، بل ستصبح جزءًا منه، ومن يفهم آليات هذا النوع من التسويق يمتلك ميزة لا يراها الآخرون.. تمامًا كالإعلانات التي لانراها.










































