اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - في زمن الهاتف الذكي، لم تعد الشائعة تحتاج إلى ساعات حتى تنتشر. صورة مجهولة المصدر، تسجيل صوتي، رسالة قصيرة في مجموعة عائلية أو منشور على إحدى المنصات قد تكون كافية لإشعال نقاش واسع خلال دقائق. وفي المقابل، قد تبقى المعلومة الرسمية تنتظر اكتمال الإجراءات والتنسيق والصياغة والموافقة على النشر، وعندما تصل يكون الجمهور قد استهلك عشر روايات قبلها.
هنا لا تصبح المشكلة في وجود الشائعة فقط، بل في الفراغ الذي سمح لها بأن تصبح الرواية الأولى.
المواطن بطبيعته يريد أن يعرف. عندما يسمع صوت انفجار، أو يرى حركة أمنية، أو تتوقف خدمة عامة، أو تنتشر أخبار عن قرار اقتصادي أو حادثة كبيرة، فإنه يبحث فوراً عن تفسير. وإذا لم يجده لدى الجهة التي تملك المعلومة، سيبحث عنه في مكان آخر.
والإنترنت لا يترك فراغاً.
إذا لم توجد معلومة، ستظهر رواية. وإذا لم يوجد مصدر رسمي سريع، سيظهر شخص يقدم نفسه مصدراً. وإذا تأخر التوضيح، تتحول التخمينات إلى «معلومات متداولة»، ثم تنتقل من حساب إلى آخر حتى يصبح نفيها أصعب من منع انتشارها منذ البداية.
الدقيقة الأولى أصبحت جزءاً من إدارة الأزمة
في الماضي، كان بالإمكان انتظار إعداد بيان متكامل قبل مخاطبة الناس. الصحيفة ستصدر صباحاً، والنشرة الإخبارية لها موعد، والمعلومة تتحرك بوتيرة أبطأ.
هذا العالم انتهى.
اليوم يمكن للمواطن أن يصور الحادثة وينشرها قبل وصول بعض الجهات المعنية إلى الموقع. وقد يشاهد آلاف الأشخاص الفيديو خلال دقائق، وتبدأ التعليقات والتحليلات والتفسيرات قبل أن تتضح الوقائع.
ولهذا فإن الاتصال الرسمي لم يعد عملاً يأتي بعد إدارة الأزمة.
أصبح جزءاً من إدارة الأزمة نفسها.
أحياناً لا تحتاج المؤسسة إلى معرفة كل التفاصيل حتى تتحدث. يكفي أن تقول بسرعة: وقع حادث، الجهات المختصة موجودة في الموقع، هذه المعلومات المؤكدة حتى الآن، وسنعلن التفاصيل فور التحقق منها.
هذا أفضل بكثير من الصمت.
فالبيان الأول لا يجب أن يكون البيان الأخير.
«لا معلومات حتى الآن» معلومة أيضاً
هناك خوف مفهوم لدى المؤسسات من نشر معلومة ناقصة ثم الاضطرار إلى تصحيحها لاحقاً. لكن البديل لا ينبغي أن يكون الصمت الكامل.
يمكن للجهة الرسمية أن تقول بوضوح إن المعلومات ما تزال أولية.
يمكن أن تؤكد ما تعرفه فقط.
ويمكن أن تنفي معلومة واحدة ثبت خطؤها حتى لو لم تكتمل بقية الصورة.
بل يمكن أن تقول: لا توجد حتى الآن معلومات مؤكدة حول هذه النقطة.
هذه العبارة البسيطة قد تكون أكثر فائدة من ترك مئات الحسابات تقدم إجابات من عندها.
الشفافية لا تعني أن تعرف المؤسسة كل شيء فوراً؛ تعني أن تقول للناس بوضوح ماذا تعرف، وماذا لا تعرف، ومتى ستعود إليهم بالمزيد.
الشائعة تستفيد من التعقيد.. والحقيقة تحتاج إلى لغة بسيطة
هناك مشكلة أخرى في بعض الخطاب الرسمي: المعلومة تكون موجودة، لكن المواطن لا يستطيع استخراجها بسهولة.
بيان طويل.
مصطلحات إدارية.
مقدمات كثيرة.
وجملة أساسية مدفونة في منتصف النص.
في وسائل التواصل الاجتماعي، ينافس البيان الرسمي رسالة من ثلاثة أسطر وصورة ومقطع فيديو مدته عشرون ثانية.
وهذا لا يعني أن تتحول المؤسسات إلى حسابات تبحث عن الإثارة، وإنما أن تفهم طبيعة الوسيلة.
المعلومة العاجلة تحتاج إلى عنوان واضح، وجملة أولى تجيب عن السؤال الأساسي، ثم التفاصيل لمن يريدها.
الوضوح جزء من السرعة.
الخبر الرسمي المتأخر قد يكون صحيحاً لكنه يخسر المعركة
تخيل أن شائعة انتشرت الساعة التاسعة صباحاً، والبيان الرسمي الذي ينفيها صدر عند الثانية ظهراً.
خلال خمس ساعات، ربما شاهدها عشرات الآلاف، وبنى الناس عليها مواقف وتعليقات، وأعيد نشرها في مجموعات خاصة وصفحات عامة.
عندما يصل النفي، لن يصل بالضرورة إلى كل من وصلت إليهم الشائعة.
وهذه واحدة من مشكلات البيئة الرقمية: التصحيح لا يسافر دائماً بسرعة الخطأ نفسها.
لذلك فإن أفضل مواجهة للشائعة ليست دائماً بيان النفي.
الأفضل أن تكون المعلومة الصحيحة موجودة قبل أن تتمكن الرواية الخاطئة من احتلال المساحة.
الهاتف المحمول أصبح غرفة أخبار في جيب كل مواطن
أي شخص يستطيع اليوم التصوير والنشر والتعليق والبث المباشر.
وهذا تغير هائل في العلاقة بين المؤسسة والجمهور.
لم تعد الدولة تتحدث والجمهور يستمع فقط. الجمهور نفسه ينتج المعلومات والصور والأسئلة، وأحياناً يكشف الحدث قبل وسائل الإعلام.
لذلك لا يمكن إدارة الاتصال العام بعقلية كانت مناسبة لعصر مختلف.
المؤسسة تحتاج إلى مراقبة ما يشغل الناس لحظة بلحظة، ليس لتلاحق كل منشور، وإنما لتعرف متى تتحول معلومة خاطئة إلى قضية رأي عام تستحق تدخلاً سريعاً.
فالسكوت عن إشاعة شاهدها مئة شخص قد يكون منطقياً.
لكن عندما يشاهدها مئات الآلاف ويبدأ الناس باتخاذ قرارات بناء عليها، يصبح الصمت قراراً له كلفة.
ليس كل شيء يحتاج إلى ناطق واحد
إذا انقطعت المياه في منطقة، الجهة المختصة يجب أن تكون قادرة على التوضيح.
إذا تعطلت إشارة مرورية، يجب أن توجد معلومة.
إذا وقع حادث كبير، يجب أن يعرف الناس أين يحصلون على الخبر الموثوق.
المواطن لا ينبغي أن يبحث بين عشرات الصفحات ليعرف أيها يتحدث باسم الدولة.
كل مؤسسة عامة تحتاج إلى قناة رقمية معروفة وموثوقة وسريعة، وأن تكون لديها صلاحية نشر المعلومة التشغيلية البسيطة دون انتظار سلسلة طويلة من الموافقات.
فليس من المنطقي أن تتحرك الشائعة بضغطة زر، بينما تتحرك الحقيقة عبر سلسلة كتب وموافقات.
الإعلام شريك وليس خصماً
هناك جانب آخر في المعادلة يتعلق بعلاقة المؤسسات بوسائل الإعلام.
الصحفي الذي لا يجد معلومة رسمية سيحاول الوصول إليها من مصادر أخرى، وهذه طبيعة عمله.
كلما كانت المؤسسة أسرع وأكثر انفتاحاً في توفير المعلومة الدقيقة، أصبحت مساحة التخمين أقل.
وكلما أغلقت الأبواب، اتسعت سوق «المصادر الخاصة» والمعلومات غير المكتملة.
لهذا فإن وجود متحدث رسمي لا يكفي إذا لم يكن يمتلك المعلومة أو صلاحية تقديمها في الوقت المناسب.
الناطق الذي يحتاج ساعات للحصول على إجابة لا يستطيع منافسة شائعة تنتشر خلال دقائق.
الثقة تُبنى قبل الأزمة
الحساب الرسمي الذي لا يتفاعل مع الناس طوال العام ثم يظهر فقط عند الأزمة سيجد صعوبة أكبر في الوصول إليهم.
الثقة الرقمية تحتاج إلى تراكم.
معلومات يومية دقيقة.
تصحيح سريع.
اعتراف بالخطأ عندما يقع.
تحديث للمعلومة عندما تتغير.
وعدم المبالغة في النفي أو التبرير.
عندما يعرف المواطن أن جهة معينة تقول الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة، سيعود إليها عندما تقع الأزمة.
وهذه قيمة استراتيجية.
الثقة ليست نتيجة الاتصال الحكومي؛ إنها رأس ماله.
الاعتراف بالخطأ أقوى من الدفاع عنه
أحياناً تقع مؤسسة في خطأ، ثم تصبح المعركة الإعلامية كلها محاولة إثبات أن الخطأ لم يقع.
وهذا قد يكون أكثر ضرراً من الخطأ نفسه.
المواطن أكثر قدرة على تقبل عبارة: «حدث خلل، وتم تحديده، وهذا ما سنفعله لمنع تكراره» من سلسلة بيانات تحاول تجميل واقع يستطيع رؤيته بعينيه.
المؤسسة القوية ليست التي تدعي أنها لا تخطئ.
هي التي تستطيع اكتشاف الخطأ وتصحيحه وشرح ما حدث.
وهذه أيضاً إحدى أدوات مكافحة الشائعات، لأن المؤسسة التي تتمتع بالمصداقية عندما تنفي خبراً يصدقها الناس.
لا نحارب الشائعة بالعقوبة وحدها
هناك شائعات متعمدة قد تستوجب المساءلة وفق القانون، خصوصاً عندما تتضمن أفعالاً مجرّمة أو تهدد السلامة العامة. لكن التعامل مع ظاهرة الشائعات باعتبارها مشكلة قانونية فقط لن يكون كافياً.
هناك شائعة تنتشر لأن شخصاً تعمد التضليل.
وهناك أخرى تنتشر لأن الناس لم تجد المعلومة.
يجب التفريق بين الاثنين.
لا يمكن للقانون أن يملأ الفراغ المعلوماتي.
المعلومة هي التي تملؤه.
كلما أصبح الوصول إلى الحقيقة الرسمية أسرع وأسهل، تقل مساحة السوق التي تعمل فيها الشائعة.
نحتاج إلى «الساعة الأولى»
ربما تحتاج المؤسسات الأردنية إلى بروتوكول واضح للاتصال أثناء الأحداث المهمة.
ليس بياناً واحداً بعد انتهاء كل شيء، وإنما نظام تحديث مستمر.
خلال الدقائق الأولى: تأكيد وقوع الحدث وما هو معروف.
بعد ذلك: تحديث جديد بالمعلومات المؤكدة.
ثم تصحيح أي معلومات خاطئة واسعة الانتشار.
وفي النهاية: بيان تفصيلي عندما تكتمل الصورة.
بهذه الطريقة لا تضطر المؤسسة إلى الاختيار بين السرعة والدقة.
تستطيع أن تكون سريعة ودقيقة ضمن حدود ما تعرفه في كل لحظة.
الدولة تملك المعلومة.. لكنها تحتاج إلى امتلاك اللحظة أيضاً
هذه هي المشكلة الأساسية.
قد تكون المعلومة الرسمية هي الأدق في النهاية، لكن في الإعلام الرقمي لا يكفي أن تكون صحيحاً.
يجب أن تصل في الوقت الذي يحتاج فيه الناس إلى الحقيقة.
لأن الساعات الأولى لأي حدث هي التي يتشكل خلالها الانطباع العام، وتنتشر خلالها الصور والروايات، ويقرر الناس أي مصدر سيصدقون.
ومن هنا يجب أن يصبح الاتصال العام جزءاً من جاهزية كل مؤسسة، مثلما لديها خطة للطوارئ وخطة تشغيل.
من المسؤول عن التحدث؟
ما المعلومة التي يمكن نشرها فوراً؟
من يراقب الشائعات؟
من يحدث البيان؟
وأين يجد المواطن المعلومة؟
هذه ليست تفاصيل إعلامية صغيرة.
إنها جزء من إدارة الدولة الحديثة.
المواطن الذي يعرف أقل يصدق أكثر
عندما تقل المعلومات، لا يقل الحديث.
يحدث العكس.
يزداد.
الناس تحاول تفسير ما لا تعرفه، فتظهر الروايات، ثم تبدأ كل رواية بإضافة تفصيل جديد حتى يصبح من الصعب معرفة أين بدأت القصة.
لذلك فإن توفير المعلومة ليس خدمة للإعلام فقط.
إنه حماية للمجتمع من الفوضى المعلوماتية.
وفي بلد يقع وسط منطقة كثيرة الأحداث مثل الأردن، تصبح هذه المسألة أكثر أهمية؛ لأن بعض الشائعات قد تتعلق بالأمن أو الاقتصاد أو الحدود أو المياه أو القرارات الحكومية، ويمكن أن تخلق قلقاً واسعاً خلال وقت قصير.
المعركة على الثقة لا على المنشور
في النهاية، لن تستطيع أي حكومة منع الشائعات تماماً.
ستظل هناك حسابات مجهولة، ورسائل غير موثقة، وصور خارج سياقها، ومعلومات ناقصة.
لكن الدولة تستطيع أن تجعل المواطن يسأل، عندما تصله رسالة مثيرة: ماذا قالت الجهة الرسمية؟
إذا أصبح هذا السؤال هو رد الفعل الأول، تكون المؤسسة قد ربحت الجزء الأهم من المعركة.
أما إذا أصبح المواطن يقول: «لننتظر مواقع التواصل حتى نعرف ماذا حدث»، فهناك مشكلة أكبر من شائعة واحدة.
هناك مشكلة ثقة ومعلومة.
ولهذا فإن أفضل استراتيجية لمواجهة الشائعات قد لا تبدأ من غرفة مكافحة الشائعات أصلاً.
تبدأ من مكتب المسؤول الذي يملك المعلومة ويقرر نشرها في الوقت المناسب.
فالحقيقة البطيئة تظل حقيقة، لكنها قد تصل بعد أن تكون الشائعة قد صنعت الخوف والنقاش والانطباع.
وفي زمن تتحرك فيه المعلومة خلال ثوانٍ، لم يعد كافياً أن يكون البيان الرسمي صحيحاً فقط؛ يجب أن يكون سريعاً وواضحاً ومتاحاً أيضاً.
الشائعة تسبق البيان الرسمي لأن المعلومة تصل متأخرة.. والفراغ الذي لا تملؤه الحقيقة، ستملؤه الروايات.












































