اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ أيلول ٢٠٢٦
أ.د فهد بن مطلق العتيبي
حين نسمع كلمة 'تدوير' يتبادر إلى الذهن تدوير بعض المنتجات المادية مثل الورق والبلاستيك والمعادن وإعادة استخدامها بصورة جديدة. لكن الثقافة، هي الأخرى وكما أرى، قابلة للتدوير؛ ليس بمعنى التخلص من القديم، وإنما بإعادة توظيفه ومنحه وظيفة جديدة تتلاءم مع الحاضر. فالثقافة الحية هي التي لا تحفظ موروثها الثقافي في المتاحف والكتب فحسب، بل تلك الثقافة القادرة على أن تستدعيه كلما احتاج المجتمع إليه، وتعيد تقديمه بلغة يفهمها الجيل الجديد.
ولقد لفت انتباهي ما قامت به أمانة محافظة جدة مع المثل الشعبي المعروف 'افعل خيرًا وارمه في البحر'. فهذا المثل يحث على فعل الخير دون انتظار شكر أو مقابل. غير أن أمانة محافظة جدة أعادت تدوير هذا المثل في حملة توعوية للمحافظة على الواجهة البحرية، فحولته إلى عبارة: 'افعل خيرًا ولا ترمِ في البحر'. لقد احتفظت الصيغة الجديدة بذاكرة المثل القديم وإيقاعه، لكنها نقلته من المجال الأخلاقي إلى المجال البيئي. وهكذا أصبح المثل القديم أداة حديثة للتوعية بعدم إلقاء المخلفات في البحر.
هذا النموذج البسيط يكشف لنا معنى أوسع يمكن أن نسميه 'تدوير الثقافة'؛ أي إعادة استخدام عناصر الموروث الثقافي في سياقات ووظائف جديدة. وهو أمر يحدث حولنا بأشكال متعددة. فالبيوت الطينية القديمة والمزارع، على سبيل المثال، لم تعد بالضرورة مساكن تتوافق مع متطلبات الحياة المعاصرة، لكن نراها اليوم تتحول إلى مقاهٍ وواجهات سياحية. كما أن عناصرها المعمارية عادت إلى الفنادق والمطاعم والمباني الحديثة، فتحولت الأبواب النجدية والزخارف التقليدية والأفنية الداخلية من عناصر وظيفية قديمة إلى عناصر جمالية وهوية معاصرة.
والأمر نفسه نراه في الأزياء.. فقد عادت النقوش والألوان وأساليب التطريز التقليدية إلى تصميم الأزياء الحديثة، وأصبحت قطع من الملابس تستلهم هويتها من تراث مناطق المملكة المختلفة دون أن تكون نسخة حرفية من ملابس الماضي. وكذلك الأكلات الشعبية التي انتقلت من البيوت والأسواق المحلية إلى المطاعم الحديثة، وأعيد تقديم بعضها بأساليب جديدة، مع الاحتفاظ باسمها ونكهتها ودلالتها الثقافية. وحتى الحكاية الشعبية والأغنية والأهازيج لم تسلم من هذا التدوير الجميل. فقد تنتقل الأهزوجة من مناسبة محلية إلى عمل فني معاصر، وتتحول الحكاية القديمة إلى رواية أو فيلم أو محتوى رقمي، ويخرج المثل الشعبي من المجلس ليصبح تغريدة أو إعلانًا أو عبارة على صورة يتداولها الآلاف.
لكن تدوير الثقافة لا يعني العبث بها أو تفريغها من معناها.. فهناك فرق بين إحياء الموروث وبين استهلاكه بصورة سطحية. فالتدوير الناجح يحافظ على ذاكرة العنصر الثقافي، ثم يمنحه معنى أو وظيفة جديدة. ولذلك كانت عبارة 'افعل خيرًا ولا ترمِ في البحر' ذكية؛ لأن قوتها الجديدة جاءت أساسًا من معرفتنا بالعبارة القديمة. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لتدوير الثقافة: أن يبقى الماضي حاضرًا ليس بالضرورة بشكله القديم، بل بالشكل الذي نحتاجه اليوم.










































