اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيار ٢٠٢٦
د. نجوى الكحلوت
هناك، حيث يقف الحاج على صعيد عرفة، تتبدّل دلالات الأشياء؛ فيغدو الوقوف حركةً من نوعٍ آخر، وتغدو الكلمة عملاً فاعلا وأثرا باقيا.
ومن بين الكلمات التي تتردّد في هذا المشهد، تبرز «لبيك» كلمة تُبنى على التكرار، وتقوم على معنى الإقامة، فهي لا تُقال مرةً ثم تنقضي. في أصلها اللغوي، تحمل «لبيك» تثنيةً تفيد الاستمرار؛ كأن القائل يجيب النداء مرةً بعد مرة، ويقيم على الطاعة إقامةً لا تنقطع.
«لبيك» استجابة وإعلانُ مقام. مقامُ من لبّى فاستقرّ على المعنى، لا من مرّ به مرورًا. ولهذا تتجاوز الكلمة حدود الصوت، لتصير حالًا من الخضوع والإنابة، لمن جعل الإجابة سكنًا له، لا موقفًا مؤقتًا يقفه سويعات ثم ينصرف.
وحين ننتقل إلى «الوقوف» في عرفة، يتّسع المعنى أكثر. فالوقوف في اللغة العربية لا يدل على السكون وحده، إنما يتجاوزه إلى الإدراك. نقول: «وقف على الأمر»، أي أحاط به علمًا، وبلغ فيه فهمًا. فكأنه إشارة إلى بداية وعي، وليس توقف عن الحركة.
بهذا المعنى، لا يقف الحاج في عرفة بجسده فحسب، يقف على نفسه، على ما خفي منها، وعلى ما انشغل عنه طويلًا. يقف ليُبصر، لا ليُعلّق الحركة. ومع هذا الوقوف، تتحرّك في داخلنا أسئلة، واعترافات، ونداءات روحٍ، ورجاء. كل ذلك يجري في زمنٍ قصير، يحمل من الامتداد ما لا تقيسه الساعات.
وهنا تلتقي «لبيك» مع «الوقوف» في نقطةٍ دقيقة: كلتاهما إقامة. «لبيك» إقامةٌ في النداء، و»الوقوف» إقامةٌ في الإدراك. الأولى جواب، والثانية فهم، وكلتاهما طريقٌ إلى حضورٍ أعمق في ذلك المشهد المهيب.
في يوم عرفة، يتعلّم الإنسان أن بعض الكلمات تُقاس بما تُقيمه المعاني في داخله، وأن الوقوف، في أصفى صوره وصولٌ إلى غاية ومبتغى. وحيث تتردّد «لبيك» يقف الإنسان أخيرًا… ليصل.










































