اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
تدعو كلمة أرامكو، في منتدى 'إنيرجي إنتليجنس 2026' بلندن، إلى التفكير في أمن الطاقة بمنظور العقود، وإدراج المرونة في تقييم الأداء الاقتصادي للشركات، أما رسالتها الأعمق للأجيال وصناع القرار فهي أن الاستعداد لا يُرتجل ساعة الخطر، بل إنه حصيلة رؤية مبكرة، واستثمار متواصل، وقرارات تُتخذ اليوم على أساس ما قد يحتاج إليه العالم غدًا..
عندما تتعرض منظومة الطاقة لاختناق في ممر بحري، يتجاوز السؤال كمية النفط التي تأخرت، إلى قدرة الاقتصاد العالمي على مواصلة الحركة، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كلمة رئيس أرامكو وكبير إدارييها التنفيذيين، أمين الناصر، في منتدى 'إنيرجي إنتليجنس 2026' بلندن، قراءة لا تقف عند اضطراب مضيق هرمز، وإنما تتخذ منه مدخلًا لمساءلة الطريقة التي يخطط بها العالم لأمن الطاقة.
أهم ما في الكلمة أنها نقلت النقاش من الحدث إلى بنية النظام، فالنفط والغاز، كما عرضهما الناصر، ليسا سلعتين منفصلتين عن حياة الناس، وإنما يدخلان في إنتاج الغذاء والدواء والمواد الصناعية، وفي حركة النقل وسلاسل الإمداد، لذلك لا تبقى صدمة الإمداد داخل سوق الطاقة، بل إنها تنتقل إلى الأسعار والتضخم والإنتاج، وقد تطال حتى التقنيات التي يُعوّل عليها في التحول الطاقي، لاعتمادها على مواد ومدخلات تتأثر بالاضطراب نفسه، ومغزي رسالته هنا، هو أن الترابط الاقتصادي يجعل أمن الطاقة جزءًا من الأمن الاقتصادي، وأن التعامل مع كل قطاع على حدة لم يعد كافيًا.
ومن هذا التشخيص تتبلور فكرة المرونة التي لا يختزلها الناصر في مخزون احتياطي أو منشأة بعينها، بل يصورها قدرة مركبة تنشأ من تعدد الطبقات ما بين طاقة إنتاجية احتياطية، وتنوع في أنواع الخام، وتخزين، وناقلات، وسلاسل إمداد محلية، وتجهيزات بديلة، وخطط استجابة واستعادة، وليست هذه قائمة أصول فقط، وإنما منطق تصميم يوزع المخاطر، ويمنع تعطل نقطة واحدة من شل النظام، ويختصر زمن العودة إلى التشغيل.
وبهذا المعنى، ترتبط الجاهزية بما يملكه النظام في الظروف الطبيعية، وبما يستطيع الحفاظ عليه واستعادته حين تتغير الظروف.
وتحمل الكلمة بعدًا جغرافيًا واستراتيجيًا واضحًا، فالممرات البحرية ومناطق الإنتاج ليست تفاصيل لوجستية يمكن تجاوزها بسهولة، وإنما حقائق تحدد أين توجد الموارد وكيف تصل إلى المستهلكين، ومن هنا تأتي الدعوة إلى تعدد مسارات التصدير، وتوسيع خيارات التخزين، وتعزيز التعاون بين المنتجين والمستهلكين.
ولا تلغي الخيارات السابقة المخاطر، لكنها تقلل قدرة الاختناق الواحد على التحول إلى تعطيل واسع، والرسالة إلى أوروبا والعالم أن أمن الإمدادات لا يتحقق بمجرد تنويع الموردين، إذا ظلت طرق النقل ومراكز التخزين عرضة لمصادر الخطر نفسها.
أما البعد الأبعد نظرًا، فيتعلق بأفق الاستثمار، فعندما ترتبط القرارات بأرباح الأرباع وحدها، يسهل تأجيل الإنفاق على الطاقة الاحتياطية والصيانة والأمن وسلاسل الإمداد، لكن كلفة هذا التأجيل تظهر عند أول اختبار، لذلك تدعو الكلمة إلى التفكير في أمن الطاقة بمنظور العقود، وإدراج المرونة في تقييم الأداء الاقتصادي للشركات، وهي بذلك تطرح سؤالًا جوهريًا، يتمثل في كيف نحتسب قيمة القدرة التي قد لا تُستخدم يوميًا، لكنها تحمي الإنتاج والوظائف والأسواق عندما يقع الاضطراب؟
ولا تقدم الكلمة أمن الطاقة والتكلفة المعقولة والاستدامة باعتبارها خيارات متعارضة، وهذه رسالة موجهة خصوصًا إلى السياسات التي تختزل التحول في استبدال مصدر بمصدر، من دون حساب احتياجات النظام الفعلية واعتماداته المتبادلة، فالمطلوب، وفق منطقها، بناء مزيج قادر على تلبية الطلب، وتحمل الصدمات، وخفض الأعباء، مع تطوير البدائل حين تكون تنافسية، والواقعية هنا ليست دعوة إلى الجمود، بل تحذير من الانتقال الذي لا يخطط لتبعاته.
وفي ختامها، تضع الكلمة المسؤولية في إطار عالمي، وهي متبلورة في حماية تدفق الطاقة والسلع، وتبادل الخبرات، وتنسيق الاستجابة، وتعزيز أمن البنية التحتية وسلاسل الإمداد، وهي في الوقت نفسه تذكير بأن المرونة التي يبنيها طرف واحد لا تكفي في نظام مترابط، وأن الاستثمار الذي يبدو محليًا قد تكون له قيمة دولية، أما رسالتها الأعمق للأجيال وصناع القرار، فهي أن الاستعداد لا يُرتجل ساعة الخطر، بل إنه حصيلة رؤية مبكرة، واستثمار متواصل، وقرارات تُتخذ اليوم على أساس ما قد يحتاج إليه العالم غدًا.. دمتم بخير.










































