اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ تموز ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
التقاعد مرآة صادقة لسنوات العمل كلها.. فما يجده المسؤول تقديرًا أو عدمه بعد مغادرته منصبه هو في الغالب ثمرة ما زرعه خلال رحلته المهنية.. فمن أحسن إلى الناس وجد الإحسان، ومن حفظ كراماتهم حفظوا كرامته، ومن منحهم التقدير منحوه الوفاء..
في حياة العمل تمر على المسؤول سنوات طويلة وهو يمارس صلاحياته، وخلال تلك السنوات يظن بعض المسؤولين أن ما يصنع مكانتهم هو المنصب وحده، بينما الحقيقة أن المنصب لا يمنح صاحبه سوى فرصة مؤقتة ليكشف من خلالها عن معدنه وطريقة تعامله مع الآخرين. فالمناصب تتغير، والكراسي تنتقل من شخص إلى آخر، أما الأثر الإنساني فيبقى راسخا في الذاكرة بعد أن تغيب الألقاب وتنتهي الصلاحيات.
ولذلك فإن التقاعد لا يمثل نهاية الوظيفة فحسب، بل هو في كثير من الأحيان لحظة تظهر فيها الحصيلة الحقيقية لعلاقة المسؤول بالناس، ففي يوم التقاعد تتراجع سلطة القرار وتختفي المزايا المرتبطة بالمنصب، ولا يبقى حول الإنسان إلا ما زرعه بيده من احترام ومحبة وتقدير، هناك يدرك المسؤول أن ما قدمه للناس لم يذهب بعيدا، بل عاد إليه في صورة وفاء وذكر حسن وامتنان صادق.
فإذا كان المسؤول حسن المعشر، لين الجانب، كريم التعامل، يفتح بابه للناس، ويقابلهم بوجه طلق، ويستمع إلى حاجاتهم باهتمام، ويعامل موظفيه بعدل وإنصاف، ويمنح كل ذي حق حقه، ويشجع المجتهد، فإن أثر ذلك لا يضيع. وحين يغادر موقعه سيجد أن الناس ما زالوا يتذكرونه بالخير ويواصلون تقديره، لأنهم لم يكونوا مرتبطين بمنصبه وحده، بل ارتبطوا بإنسانيته وأخلاقه وحسن معاملته.
ومن أجمل ما يمكن أن يناله المسؤول بعد تقاعده أن يصبح مفقودا، لا بمعنى غيابه الجسدي فقط، بل بمعنى أن يشعر الناس بفراغ تركه خلفه. فيتحدثون عن عدالته حين يحضر ذكر العدل، وعن تواضعه حين يذكر التواضع، وعن دعمه وتحفيزه حين يتحدثون عن القيادة، وهذا النوع من الحضور لا تصنعه الأنظمة ولا القرارات، بل تصنعه الأخلاق التي تتجلى في المواقف اليومية.
فالناس لا تنسى من احترم إنسانيتها وأحسن معاملتها. ولهذا فإن بعض المسؤولين يغادرون مواقعهم لكنهم يبقون في القلوب سنوات طويلة، لأنهم أدركوا أن الإدارة ليست ممارسة للسلطة بقدر ما هي ممارسة للمسؤولية.
وعلى الجانب الآخر، هناك من يعتقد أن الشدة الدائمة قوة، وأن التعالي هيبة، وأن التكبر يرفع مكانة صاحبه، فيتعامل مع الناس بجفاء، ويغلق أبواب التواصل، ويضيق على الموظفين، ويقابل المراجعين بعبوس، وربما يظن أن الجميع يلتفون حوله، بينما هم في الحقيقة يتعاملون مع موقعه الوظيفي لا أكثر.
وحين يأتي يوم التقاعد تتبدد هذه الصورة سريعا. فيكتشف أن كثيرا من العلاقات التي أحاطت به كانت مرتبطة بالمنصب لا بالشخص. ويجد أن الاتصالات قلت، والزيارات تراجعت، والحضور الاجتماعي انحسر، لأن الناس لم يجدوا في تجربتهم معه ما يدعو إلى استمرار القرب أو المحافظة على الود. فيعيش عزلة كان يمكن تجنبها لو أنه أحسن بناء الجسور مع الآخرين.
وليس المقصود من ذلك أن يسعى المسؤول إلى كسب محبة الناس بالمجاملات أو التنازلات، بل أن يؤدي عمله بحزم عادل وضبط محترم، فالناس قد تختلف حول القرارات، لكنها نادرا ما تختلف على تقدير الإنسان المهذب العادل المتواضع. فالحزم يزداد قوة حين يقترن بحسن الخلق.
نعم التقاعد مرآة صادقة لسنوات العمل كلها. فما يجده المسؤول تقديرا أو عدمه بعد مغادرته لمنصبه هو في الغالب ثمرة ما زرعه خلال رحلته المهنية. فمن أحسن إلى الناس وجد الإحسان، ومن حفظ كراماتهم حفظوا كرامته، ومن منحهم التقدير منحوه الوفاء. وهكذا يظل الإنسان بعد تقاعده محاطا بمحبة الناس أو بعيدا عنهم، ليس بسبب المنصب الذي شغله يوما ما، بل بسبب الطريقة التي عاش بها ذلك المنصب وتعامل من خلالها مع البشر. فالسيرة الحسنة والسلوك الرصين هما الرصيد الذي لا ينفد، والإرث الحقيقي الذي يبقى حين يرحل كل شيء آخر.
ويبقى القول: ستحمل معك أيها المسؤول من مكتبك عند التقاعد ملفات كثيرة، لكنك لن تحمل أثمن من سيرة حسنة صنعتها الأيام، لذلك عندما تكون على كرسي منصبك ازرع الاحترام قبل أن تطلبه، وأنصت أكثر مما تتحدث، وكن عادلا قبل أن تكون حازما، وقدم التقدير قبل التوجيه، وافتح بابك قبل مكتبك، وتواضع كلما ارتفعت مكانتك، وتذكر أن القلوب لا تحفظ الصلاحيات بل تحفظ المواقف، فالتقاعد نهاية المنصب، لكنه بداية حصاد السمعة.










































