اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. علي الخشيبان
المسار الدبلوماسي الحذر والمتزن حول المنطقة لم يعد كما هو، فالتصريحات السياسية والدبلوماسية سعت بشكل كبير وواضح إلى محاولة تحطيم المشهد الجيوسياسي وتعزيز السلبية الجيوسياسية للمنطقة عبر دفع المنطقة بسكانها ودولها نحو زاوية القلق على هذه المنطقة؛ وخاصة أثناء وبعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، والتي غيّرت المشهد الدبلوماسي وسمحت للتكهنات بالخروج..
الفضاء السياسي اليوم مليء بالجدل والتحليل؛ حيث نلحظ جميعا ارتفاعا كبيرا في التصريحات السياسية القادمة من الغرب والشرق دون استثناء، والتفسيرات المتاحة حول هذه الظاهرة متعددة، ولكن الأقرب منها مرتبط بفكرة تسعى الى فرض واقع يوحي للمتلقى أن الشرق الأوسط -والخليج تحديداً- يمر بحالة إعادة تنظيم غير مسبوقة مرتبطة بتصعيد عسكري وحروب مباشرة بين دول في المنطقة وخارج المنطقة، حيث تسعى الدول الكبرى الى تمرير فكرة تدور حول تغير الأدوار وإعادة تنظيم للشرق الأوسط، فخلال هذا العام تغيرت اللغة الدولية حول منطقتنا وشهدنا تحليلات وتصريحات متعددة حول المنطقة ومستقبلها الذي ترغب القوى الدولية رسمه، وقد حملت العشرة أشهر الماضية لهذا العام 2026م كما هائلا من المواقف الدبلوماسية والسياسية والتحذيرات الأمنية والخرائط المتعددة حول مستقبل المنطقة.
المسار الدبلوماسي الحذر والمتزن حول المنطقة لم يعد كما هو، فالتصريحات السياسية والدبلوماسية سعت بشكل كبير وواضح الى محاولة تحطيم المشهد الجيوسياسي وتعزيز السلبية الجيوسياسية للمنطقة عبر دفع المنطقة بسكانها ودولها نحو زاوية القلق على هذه المنطقة؛ وخاصة أثناء وبعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران والتي غيّرت المشهد الدبلوماسي وسمحت للتكهنات بالخروج، وأصبح الفضاء الإعلامي مليئا بالتهديات حول آثار الحرب للدول في المنطقة، وأن ما ينتظرها من مستقبل مختلف عما اعتادت عليه، وأن تحولا هيكلياً ينتظرها، ومن هنا يأتي السؤال الجوهري: لماذا تتم مكاثرة التصريحات السياسية وخاصة القادمة من أميركا وإسرائيل واستحضار حقائق بعضها مصطنع وبعضها مزور حول المنطقة؟ وما الهدف النهائي الذي تسعى هذه التصريحات وهذه الخرائط الجغرافية الى قوله للمنطقة؟
محاولة تمرير فكرة أن الشرق الأوسط في حالة اضطراب تصعب السيطرة عليها ليست فكرة دقيقة؛ فما يمر به الشرق الأوسط ليس استطرادا تاريخيا يمكن قبوله والإيمان به كجزء من التحول الطبيعي السياسي والجغرافي، ما تسعى له هذه التصريحات الأميركية والإسرائيلية حول المنطقة -والتي يتنافس في تقديما دبلوماسيون وساسة- إنما هو قراءة هدفها تمرير قواعد جديدة للمنطقة عبر هذه التصريحات وفق أهداف تخدم أجنداتها بحيث تتحول الاستراتيجيات الكبرى في المنطقة الى مادة يمكن تشكيلها من أجل خدمة إسرائيل والقوى الدولية التي تسعى الى بناء منطقة شرق أوسطية تحقق أهداف تلك القوى الدولية.
ليس هناك شك أن الصراع في الشرق الأوسط صراع دولي تشترك فيه قوى متعددة قادمة من الغرب والشرق، ولكن الشرق الأوسط اليوم يمتلك قوى ودولا لا يمكن تجاوزها عند صناعة متغيرات المنطقة ومعادلة توازن القوى فيها، لأنه في نهاية المطاف المنطقة تفهم وبدقة ان تلك التصريحات المتعمدة -سواء من داخل المنطقة أو خارجها- ليست سوى محاولات لتغيير المواقع على رقعة شطرنج رسمها تاريخ المنطقة، ولن يكون من السهل على أي دولة في العالم ان ترسم خطوط هذه المنطقة بعيدا عن دولها الرئيسة ومصالح القوى الدولية شرقا وغربا.
الوضع في المنطقة لم يعد كما هو قبل عام من الآن؛ والسبب أن هناك من يدفع نحو الاتجاه الذي يسعى ليحول المنطقة الى وضع محفوف بالمخاطر ومضاعفة الصراع وتغيير الخطوط الاستراتيجية للشرق الأوسط، فتكاثر التصريحات السياسية حول المنطقة هدفها تغيير الأفكار حول إمكانية بناء نموذج إيجابي للمنطقة، أما الحقيقة التاريخية ان هذه التصريحات حول المنطقة والمخاطر المنتظرة تتطلب من دول المنطقة وشعوبها التوازن في معالجة الحالة التي تعيشها المنطقة، فالتصريحات تدفع بالاتجاه الذي يقول إن شعوب المنطقة ليس أمامها خيارات عندما يتعلق الأمر بالسلام والاستقرار في المنطقة، وأن ذلك يصنع خارج المنطقة، وهذه حقيقة مشكوك فيها الى حد كبير.
فمنطقة الشرق الأوسط تدرك تاريخها بوضوح، فخلال مرحلة ليست بالطويلة سوف تنتهي تلك الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران برغم التوقعات السلبية حول آثارها وأنها ستغير صيغة المنطقة وصورتها، لكن الحقيقة الواضحة هي أن الحرب سوف تنتهي حتما، وسوف تتنافس المحاولات الدولية والإقليمية على إنتاج معايير جدية للمنطقة، ولكن الحقيقة التي يجب انتظارها من تلك القوى هي ان دول المنطقة الفاعلة لن تكون هي كما قبل الحرب، ستكون قد تعلمت الدرس وفهمت الأهداف بشكل واضح، وأصبح لديها القدرة أن تعيد إنتاج مساراتها ومصالحها الاستراتيجية وتحالفاتها بشكل أكثر وعيًا.










































