اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
في زمنٍ كانت فيه الكتب تصل الرياض بصعوبة بالغة إبّان الحرب العالمية الثانية، كان هناك أميرٌ يحرص على اقتناء أحدث المؤلفات فور صدورها، حتى أسّس عام 1364هـ واحدةً من أوائل المكتبات العامة في المملكة. واليوم، وبعد نحو ثمانية عقود، يعود اسم الأمير مساعد بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود ليُطلق على الجامعة السعودية الإلكترونية، في مفارقة تربط رجلًا جمع الورق بين دفتي مكتبة بصرحٍ يوزّع المعرفة عبر الشاشات.
توجيه كريم
جاء إطلاق الاسم بتوجيهٍ من خادم الحرمين الشريفين، بناءً على ما رفعه سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بإطلاق اسم صاحب السمو الأمير مساعد بن عبدالرحمن -رحمه الله- على الجامعة السعودية الإلكترونية، تقديرًا من القيادة الرشيدة -أيدها الله- لما قدّمه بوصفه أحد رجالات الدولة الذين كانت لهم إسهامات وطنية متميزة.
وبهذا التوجيه يتحول اسم الجامعة من مسمّاها الوظيفي إلى اسم علمٍ يجسّد وفاء القيادة لرجالات الدولة الذين أسهموا في مسيرة بناء المملكة، وتقديرًا لأدوارهم الوطنية وما قدّموه من عطاء في خدمة الوطن.
ولأن الاختيار لم يكن عاديًا، فإن اسم الأمير مساعد يحمل دلالةً تتصل بما عُرف عنه من اهتمام بالعلم والمعرفة والثقافة، لتواصل الجامعة رسالتها التعليمية وهي تحمل اسم شخصية وطنية ارتبطت بالعلم وخدمة المعرفة.
عمّ الملوك وأخو المؤسس
يأتي الأمير مساعد بن عبدالرحمن في ترتيب أبناء الإمام عبدالرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الثانية، ووالدته هي الأميرة عمشة بنت فراج العجران الخالدي.
وبهذا النسب يكون شقيقًا للملك عبدالعزيز آل سعود مؤسس المملكة، وعمًّا لمن تعاقب من الملوك: سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله. وتشير المصادر إلى مولده في قصر الحكم بالرياض في حدود عام 1920م.
النشأة العلمية والتكوين المعرفي
تلقّى الأمير مساعد تعليمه الأول في أحد أعرق الكتاتيب في الرياض، ثم تنقّل في حلقات العلوم الشرعية والعربية على أيدي عددٍ من كبار العلماء، من بينهم سعد بن عتيق وحمد بن فارس ومحمد بن عبداللطيف ومحمد بن إبراهيم وابن سحمان.
وامتاز بشغفٍ نادرٍ بالقراءة ومجالسة المتعلمين ومطارحة العلماء والمثقفين من السعوديين والوافدين، وهو الشغف ذاته الذي جعل ارتباطه بالعلم والمعرفة سمةً مبكرة رافقته منذ صغره.
أقدم المكتبات في المملكة
يحمل اسم الأمير مساعد أثرًا معرفيًا موثّقًا؛ فقد ذكر المؤرخ حمد الجاسر في بحثٍ نشره بجريدة البلاد عام 1367هـ الموافق 1948م عن نشأة المكتبات في المملكة، أن الأمير مساعد بن عبدالرحمن أنشأ عام 1364هـ مكتبة عامة في الرياض جمع فيها أشهر الكتب وأتاحها لطلبة العلم والقراء، حتى عُدت من أوائل المكتبات العامة في العاصمة.
وهذا الإرث تحديدًا هو ما يمنح تسمية صرحٍ تعليمي باسمه دلالةً رمزية عميقة، إذ يصل بين رجلٍ صنع أول منابر المعرفة العامة في العاصمة ومؤسسةٍ حديثة تحمل المعرفة إلى كل بيت.
22 عامًا في خدمة الدولة
امتدت المسيرة الرسمية للأمير مساعد نحو اثنين وعشرين عامًا، بدأها مستشارًا للملك سعود بن عبدالعزيز. وأسندت إليه مهمة إنشاء وتنظيم ديوان المظالم فتولى رئاسته، ليكون أول رئيسٍ له، ثم رئاسة ديوان المراقبة العامة بوصفه أول رئيسٍ له أيضًا، بموجب مرسومٍ ملكي صدر عام 1957م.
وفي عام 1960م تولى وزارة الداخلية لفترة وجيزة، قبل أن يُسند إليه أهم مناصبه حين تولى وزارة المالية والاقتصاد الوطني من 16 مارس 1962م حتى 14 أكتوبر 1975م، في عهد الملوك سعود وفيصل وخالد، ليكون أحد أطول من شغلوا هذه الحقيبة في تاريخ المملكة المبكر.
رجل المؤسسات الرقابية
يتقاطع في سيرة الأمير مساعد بُعدان نادرًا ما يجتمعان في شخصية واحدة: بُعد العالم المثقف الذي جمع المكتبات واستضاف طلبة العلم، وبُعد رجل الدولة الذي وضع أسس أوائل الأجهزة الرقابية في المملكة؛ فديوان المظالم الذي أنشأه تحوّل لاحقًا إلى القضاء الإداري في البلاد، وديوان المراقبة العامة بات ركيزة الرقابة المالية على الجهات الحكومية. وبهذا يكون الأمير قد ترك بصمةً مؤسسية تجاوزت شخصه إلى بنية الدولة نفسها.
إرثٌ يمتد إلى الأجيال
ويمثل إطلاق اسم الأمير مساعد بن عبدالرحمن على الجامعة امتدادًا لإرثه المعرفي، وربطًا بين سيرة وطنية راسخة ورسالة تعليمية متجددة، لتواصل الجامعة دورها في بناء المعرفة وتأهيل الأجيال، مستلهمةً ما عُرف عن سموه من تقدير للعلم واهتمام بالتعليم.
وفي بُعدٍ أوسع، يعكس هذا التوجيه حرص القيادة الرشيدة على حفظ الذاكرة الوطنية، وتعريف الأجيال بإسهامات رجالات الدولة الذين شاركوا في مسيرة بنائها، بما يعزز الاعتزاز بتاريخ المملكة ويخلّد ما قدّموه من عطاء وإسهامات وطنية.
الرحيل
توفي الأمير مساعد بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض في الثامن من ربيع الآخر عام 1407هـ الموافق ديسمبر 1986م، عن عمرٍ ناهز السبعين عامًا. وبين ميلاده في قصر الحكم ورحيله في أحد أحدث مستشفيات عصره، عاش مسيرةً تختصر انتقال المملكة من زمن الكتاتيب إلى زمن المؤسسات، وهو الانتقال ذاته الذي تجسّده اليوم جامعةٌ رقمية تحمل اسمه.










































