اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
أحمد الغنام
قاعدة جوهرية تتجلى أعمق ما تكون عندما ننقلها إلى رحاب الفنون البصرية، فالإبداع البصري ليس مجرد خطوط عشوائية تُخطّ على ورق، أو ألوان تُسكب بلا مبالاة، بل هو فكر مبني على أسس ومعارف دقيقة، والحياة مدرسة ابداعية تصقل الموهبة بالخبرة والتجربة.
إن تذوق الفن وصناعته يتطلبان إتقان الأدوات وفهم آليات تعلمها بالشكل السليم؛ فالفنان لا يولد محترفاً، بل يمر بمرحلة «تعلم البصر واليد»، وحين يكون هذا التعلم في بداياته صحيحاً وعميقاً، فإنه يُنتج بصريات واعية ومبدعين قادرين على توريث المعرفة الفنية للأجيال القادمة بأمانة، والعكس صحيح؛ فالطريق الخطأ في التلقي يفرز أجيالاً تكرر قوالب بصرية مشوهة دون إدراك أو وعي.
مفاهيم خاطئة
لقد ورثنا -عبر الممارسة المجتمعية والتعليمية المعتمدة على التقليد لا الفهم- بعض المفاهيم الفنية القاصرة التي أنتجت سلوكيات وأعمالاً بصرية خاطئة، ومن أبرزها:خرافة الموهبة المطلقة (أن الفن لا يُتعلم) هذا المفهوم الخاطئ نشأنا على الاعتقاد السائد بأن «الرسم مهارة فطرية إما أن تولد بها أو لا»، مما دفع الكثيرين ممن يملكون الشغف إلى ترك المحاولة تماماً، وظنّ آخرون أن الموهبة وحدها تعفي الفنان من دراسة التشريح، والمنظور، ونظرية الألوان.
مما أنتج أثراً بصرياً وسلوكياً وأعمال تعتمد على النقل السطحي وتفتقر إلى العمق والأساس المتين، وتوقف طاقات إبداعية كاملة عن التطور بحجة «غياب الموهبة»..
ويبقى التعلم الصحيح بإيماننا بأن الفن علم ومعرفة يرتكزان على تدريب العين والعقل واليد، وأما الموهبة وحدها لا تبني هوية بصرية أو لوحة راسخة إن لم تصقلها الأدوات والتقنيات الصحيحة.
الخلط بين النقل والإبداع
ترسيخ مفهوم أن الفن البصري الناجح هو ما تطابق مع الواقع تماماً، وأن القيمة الفنية تقاس بمدى قدرة الفنان على «نقل» الصورة كما تنقلها الكاميرا يبقى مفهوماً خاطئا أدى إلى كبح الخيال البصري، وتحويل الفنان إلى مجرد آلة نسخ، وأفرز مجتمعاً لا يستوعب المدارس الفنية الحديثة بمختلف توجهاتها وآساليبها وينظر إليها بنظرة استصغار أو استنكار لعدم مطابقتها الظاهرية للواقع.
فالفن رؤية الفنان الخاصة، وتفسيره للبصريات من حوله؛ فالأدوات والكتل والكتل اللونية والظل والنور ودرجات التباين تُستخدم لخلق شعور ومعنى أعمق بكثير من مجرد النقل التقليدي.
قيود وليست أدوات تمكين
يرى بعض متعلمي الفنون إلى أن دراسة القواعد الكلاسيكية والنسب الذهبية والمنظور الهندسي على أنها «تعقيد نظري» مقيد للانطلاق، فيتم القفز عليها لمحاولة القفز نحو الإبداع المباشر، مما يسبب انهيارا للتوازن البصري في الأعمال الفنية، وظهور كتل وتكوينات بصرية غير مريحة للعين، وعجز الفنان عن الخروج عن القواعد بوعي لأنه بالأساس لم يتقنها وكما يقال دائماً:( اعرف القاعدة جيداً، لكي تستطيع كسرها بحرفية).
إن إتقان القواعد هو ما يمنح الفنان الحرية المطلقة؛ فالتعلم السليم لأدوات التكوين البصري يجعل اليد والعين تعملان بتناغم عفوي ودقيق يخدم الفكرة الفنية بكفاءة.
أخيراً..
حين نعيد تصحيح مسار تعلمنا البصري، ونفهم أدواتنا الفنية من جذورها السليمة، فإننا لا نطور أدواتنا فحسب، بل نحمي الأجيال القادمة من تكرار الأخطاء البصرية التي تستهلك الجمال وتشوّه الذائقة، التعلم الصحيح في الفن هو الذي يصنع بصراً نافذاً، ويداً أمينة، وفكراً ينقل الجمال بعمق واستدامة.










































