اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
ما جرى أمام 'كنيسة حمود' في الكرك جريمة موجعة، لا يجوز التقليل من آلامها ولا تجاوز ضحاياها، ولا التعامل معها كخبر عابر يمرّ ثم يُنسى؛ فالدم الذي سُفك أمام بيت عبادة ليس مجرد رقم في نشرة أخبار بل جرح في جسد وطن اعتاد أن يجمع أبناءه لا أن يفرّقهم.
لكن الجريمة مهما بلغت فظاعتها، لا تمنح أحدا الحق في تحويل الأردن إلى ساحة للاشتباه المتبادل أو خطاب الطوائف. فالأردنيون ليسوا أرقاما تُصنّف بحسب الدين أو الأصل أو القرية؛ المسلم والمسيحي هنا شركاء في الوطن وفي الألم أيضا؛ ومن يفتح باب التمييز بين الأصول والمنابت أو يحمل جماعة بأكملها مسؤولية فعل ارتكبه أفراد إنما يخدم أهداف الجناة أكثر مما يخدم العدالة.
من الطبيعي أن يثير التطرف الديني قلقا فهو خطر حقيقي حين تتحول العقيدة- مهما كانت- إلى أداة للقتل والإقصاء؛ غير أن القلق لا يعني إدانة الدين أو المسلمين أو أي فئة بعينها؛ المطلوب هنا وقوف عقلاني هادئ؛ أن ندرس جذور التطرف وأن نسأل كيف يُستدرج الشباب؟ ومن يغذّي لغته؟ وكيف يمكن للأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة والإعلام أن تحمي العقل قبل أن يفقد طريقه؟.
فالشباب لا يولدون متطرفين، بل يُصنعون في بيئات قد تكون باردة عنهم أو غارقة في الخطاب السام، أو محرومة من الأمل والفرصة؛ وحين يجد الفرد نفسه بلا أفق وبلا انتماء حقيقي يصبح أكثر عرضة لأن يبحث عن هوية بديلة، ولو كانت هوية الغضب والكراهية.
لذلك فإن مواجهة التطرف لا تبدأ من منبر أو بيان، بل من البيت الذي يُحاور فيه الابن ومن المدرسة التي تعلّم التفكير قبل الحفظ، ومن الإعلام الذي يشرح بدل أن يثير، ومن المؤسسات الدينية التي تحرس العقيدة من الانتحال.
ما حدث في 'حمود' لا ينبغي أن يُهمَل ولا أن يُبرَّر، وكذلك لا ينبغي أن يُستغل لإشعال نار فتنة أوسع؛ فالجريمة الفردية مهما كانت مروعة تبقى جريمة فردية حتى تثبت الأدلة خلاف ذلك؛ والعدالة لا تُبنى على الغضب بل على التحقيق والدليل والقانون. فالقانون الذي يُحاسِب الجاني دون تمييز هو الذي يحمي الجميع، مسلما ومسيحيا، قريبا وبعيدا.
أما الردّ الأجدر على دماء الضحايا فهو أن يبقى الناس متعاونين وأن تُحمى الكنائس والمساجد معا، وأن يُحاسَب الجناة لا الجيران ولا المعتقد ولا القرية؛ فالأردن لا ينتصر على التطرف بالانتقام وعقلية الثأر؛ بل بالتماسك وبالحفاظ على نسيجه الاجتماعي من التمزق.
الرحمة لضحايا 'حمود' والشفاء للمصابين، والصبر لأهالي الكرك خاصة والأردن عامة.
فلنحفظ أردننا من نار الكراهية، فوطننا واحد ودماؤنا واحدة وألمُنا واحد.












































