اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - لا يكفي أن تفتح الأحزاب أبوابها حتى يدخلها المواطنون. فالانضمام إلى حزب قرار يتطلب اقتناعاً بأن الوقت والجهد والموقف الذي سيقدمه الفرد يمكن أن يصنع فرقاً. وحين لا تتضح هذه الجدوى، يبقى الحزب بعيداً عن أولويات الناس، حتى لو امتلك مقراً وحضوراً إعلامياً وبرنامجاً مكتوباً. من هنا تبدأ قراءة ضعف الأحزاب الأردنية: من المسافة بين ما تقوله عن دورها، وما يستطيع المواطن أن يراه من أثرها.
ولا يمكن اختزال هذه المسافة في عزوف المواطنين عن السياسة. فالناس يناقشون الأسعار والتعليم والتعيين والخدمات والقرارات العامة يومياً، ويختلفون حولها، ويبحثون عمن يمثل مصالحهم. هذا اهتمام سياسي في جوهره، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى عضوية حزبية. والسؤال الذي يواجه الأحزاب هو كيف تمنح هذا الاهتمام إطاراً منظماً وغاية قابلة للتحقق، بدلاً من الاكتفاء بدعوة الناس إلى المشاركة.
أحد أسباب ضعف الإقناع هو صعوبة تمييز البدائل الحزبية. فعندما تتقارب الشعارات، وتتشابه الوعود، ويعلن الجميع تأييد التنمية والشباب ومحاربة الفساد، يحتاج المواطن إلى معرفة موضع الاختلاف الفعلي. كيف يوازن كل حزب بين الإنفاق والإيرادات؟ وما أولوياته في التشغيل؟ وكيف يقترح تحسين التعليم والصحة؟ وأي كلفة يقبل بها لتحقيق برنامجه؟ الإجابات المحددة تمنح الاختيار معنى، وتتيح للناس المحاسبة لاحقاً.
كذلك، فإن البرنامج الذي لا يصل إلى لغة الحياة اليومية يظل محدود التأثير. يستطيع الحزب أن يتحدث مطولاً عن الإصلاح الاقتصادي، لكن قدرته على الإقناع تظهر حين يشرح ما يقترحه لعامل فقد دخله، أو أسرة تواجه كلفة علاج، أو شاب لا يجد عملاً يناسب مهاراته. وهذه الصلة تحتاج إلى معرفة ميدانية مستمرة، وإلى قدرة على تحويل الشكوى الفردية إلى قضية عامة وحل يمكن مناقشته.
وتتعثر هذه المهمة عندما يطغى الشخص على المؤسسة. فالحزب الذي يرتبط حضوره باسم مؤسسه، وتبقى قراراته محصورة في دائرة ضيقة، يصعب أن يقنع العضو الجديد بأن له دوراً يتجاوز الحشد والتأييد. وقد ينجح اسم معروف في جذب الانتباه، لكن بناء تنظيم مستمر يحتاج إلى قواعد تمنح الأعضاء فرصة التأثير، وتتيح تداول المسؤولية، وتحمي حق الاختلاف داخل الحزب.
ولهذا، تبدأ مصداقية الدعوة إلى المشاركة من الداخل. من الصعب أن يطلب حزب من الشباب الإيمان بقيمة أصواتهم إذا لم يجدوا مساحة فعلية في صنع قراره، أو أن يتحدث عن تمكين المرأة بينما يظل حضورها محدوداً في مواقع التأثير. فالعضو يختبر المؤسسة من خلال تجربته معها، ويقرر الاستمرار أو الانسحاب بناءً على ما إذا كان رأيه يُسمع وجهده يُقدّر.
وهناك أيضاً كلفة يقدّرها المواطن قبل الانضمام: وقته، والتزاماته العائلية والمهنية، وما قد يواجهه من حساسية اجتماعية أو تحفظ لدى محيطه. وقد تبقى لدى بعض الناس مخاوف مرتبطة بالموروث السياسي أو بصورة العمل الحزبي، حتى مع وجود خطاب يشجع المشاركة. معالجة هذه المخاوف تحتاج إلى وضوح مؤسسي وممارسة متسقة، وإلى تجارب يطمئن من خلالها المواطن إلى أن اختياره السياسي المشروع لا ينتقص من حقوقه أو فرصه.
لكن الاعتراف بهذه العوامل لا يعفي الأحزاب من مسؤوليتها. فانتظار زوال كل تحفظ قبل العمل يترك الفراغ قائماً، كما أن تفسير كل ضعف بعوامل خارجية يمنع المراجعة. المطلوب أن تسأل القيادات نفسها عن نوعية الاجتماعات، وطرق استقطاب الأعضاء، وحضور الحزب بين الناس، وقدرته على الاحتفاظ بمن انضموا إليه. فالعضوية التي تُسجل ثم تنقطع صلتها بالنشاط تكشف مشكلة في التجربة التي يقدمها الحزب.
وتزداد المسافة حين ينحصر الحضور في المواسم الانتخابية. فالثقة تحتاج إلى تراكم؛ إلى موقف واضح من قضية، ومتابعة لوعد، ونقاش مفتوح، واعتراف بخطأ. وحين يلمس المواطن هذا الاستمرار، يستطيع أن يرى سبباً للانضمام. أما الاتصال الذي يبدأ بطلب التأييد وينتهي بانتهاء الاستحقاق، فيرسخ انطباعاً بأن قيمة الفرد مرتبطة بصوته أكثر من أفكاره وقدرته على المشاركة.
كما تحتاج الأحزاب إلى التمييز بين خدمة المواطن بالوساطة، وتمثيل مصالحه بالسياسة. قد تمنح المعاملة الفردية صاحبها امتناناً، لكنها لا تبني وحدها مشروعاً حزبياً. القيمة الأوسع تتحقق حين يعمل الحزب لتصحيح الإجراء الذي أرهق آلاف المواطنين، أو لتطوير قاعدة عادلة يستفيد منها الجميع. عندها يصبح الانتماء اقتناعاً بمصلحة عامة، وتتراجع حاجته إلى الارتباط بمنفعة شخصية.
أما علاقتها بالدولة، فتحتاج إلى استقلال في الرأي ومسؤولية في الموقف. فالحزب يفقد جزءاً من جدواه عندما يعجز المواطن عن تمييز صوته، كما يضعف إقناعه حين تتحول معارضته إلى اعتراض دائم بلا بدائل. وبين التأييد والمعارضة مساحة واسعة للعمل البرامجي: دعم ما يحقق مصلحة عامة، وانتقاد ما يتعثر، وتقديم اقتراح يمكن اختباره وتحمل مسؤولية نتائجه.
إن بناء حياة حزبية أمتن يبدأ من الاعتراف بأن المواطن يحتاج إلى سبب مقنع للانضمام، وأن هذا السبب تصنعه الممارسة أكثر مما تصنعه الحملات. وحين يجد الأردني حزباً يفهم مشكلته، ويختلف داخله بحرية، ويعرف كيف يستخدم أدواته لتحقيق تغيير، تصبح العضوية احتمالاً جدياً في حياته. أما الاكتفاء بمطالبة الناس بالاقتراب، مع بقاء الأحزاب بعيدة عن أسئلتهم، فلن يملأ هذه المسافة.












































