اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
د. نجوى الكحلوت
الرطانةُ لفظٌ قديمٌ يتجدّد مع كل تحوّلٍ ثقافي، ويكشف في حضوره عن علاقةٍ دقيقة بين اللسان والهوية. فهي تعني الكلام بلسانٍ غير مفهوم، أو بلغةٍ غريبة على السامع، وغالبًا ما تُشير إلى خلط الكلام العربي بألفاظٍ أعجمية، أو التحدّث بلغة لا يفهمها المخاطَب. وقد تُستعمل الكلمة في سياقٍ يحمل دلالة سلبية حين يُكثِر المتحدّث من الكلمات الأجنبية بلا حاجة، أو يتكلّف في حديثه بما يُبعده عن الفهم والوضوح؛ فيُقال: فلانٌ تغلب عليه الرطانة، أي أن كلامه غامضًا بألفاظٍ غريبة أو دخيلة.
ومع تعاقب الأزمنة، غدت الرطانة ظاهرةً تتجاوز حدود اللفظ إلى أفق الوعي؛ فهي تومئ إلى تحوّلٍ في علاقة الإنسان بلغته، وإلى انتقالٍ من الاكتفاء بالتعبير إلى البحث عن التزيّن، ومن الرسوخ إلى التذبذب. وحين تستقرّ هذه الممارسة في السلوك اليومي، فإنها ترسم ملامح هويةٍ تتأرجح بين الأصل والوافد.
ولعلّ أقرب الأمثلة ما يتردد في المجالس اليومية، حين يقول أحدهم: «أحتاج أسوي أبديت للسيستم قبل الميتنق»، مع توافر المقابل العربي الواضح: «أحتاج تحديث النظام قبل الاجتماع». الفارق هنا لا يقف عند حدود المفردة، بل يمتد إلى الإحساس باللغة؛ أيهما أقرب إلى الذات، وأيّهما أصدق تعبيرًا عنها؟
وتظهر صورة أخرى في البيئات التعليمية أو المهنية، حين تُستعمل المصطلحات الأجنبية في حديثٍ عربي خالص دون حاجةٍ علمية، فيقال: «هذا الكونسبت يحتاج كلاريتي أكثر»، بدلًا من: «هذا المفهوم يحتاج مزيدًا من الوضوح». في مثل هذه السياقات، تتحول اللغة من أداة بيان إلى وسيلة تزيّن، ويغدو اللفظ مؤشرًا على انزياح في الذائقة.
واللغة في هذا السياق تتجاوز كونها أداةً للتواصل؛ إذ تحمل الذاكرة، وتصوغ المعنى، وتبني الذوق. وكلما ترسّخت في الوجدان، ازداد الإنسان قدرةً على تذوّق النصوص، واستحضار مرجعياته الثقافية، والاتصال بجذوره المعرفية. ويكفي أن نقارن بين قارئٍ يتذوق نصًا تراثيًّا فيفهم ظلاله، وآخر يقف عند مفرداته، لندرك أثر اللغة في عمق التلقي.
وقد عرف التاريخ العربي انفتاحًا لغويًّا ثريًّا؛ حيث أقبل العلماء على تعلّم اللغات، وترجمة العلوم، واستيعاب المعارف، فكان ذلك سببًا في ازدهار الحضارة واتساع أفقها. ويمكن استحضار مثال المترجمين في بيت الحكمة، الذين نقلوا الفلسفة والطب، ثم أعادوا صياغتها بلغة عربية دقيقة، فجاءت المصطلحات منسجمة مع روح اللغة، لا غريبة عنها.
وفي هذا الامتداد يتجلّى الفرق بين وعيٍ يضيف إلى اللغة رصيدًا، ووعيٍ يجعلها في مرتبةٍ تابعة؛ فالأول يعزّز الحضور، ويعمّق الانتماء، ويمنح التعبير ثراءه. ومن أمثلته استخدام المصطلح الأجنبي عند الحاجة العلمية الدقيقة، كأسماء النظريات أو التقنيات الحديثة، مع شرحه عربيًّا. أما الثاني فيظهر حين تُستبدل الكلمات اليومية البسيطة ببدائل أجنبية دون ضرورة، فيضعف الارتباط باللسان الأم.
وتتبدّى ملامح الرطانة المقلقة حين تتحوّل إلى معيارٍ اجتماعي للوجاهة؛ كأن يُنظر إلى المتحدث بالعربية الخالصة بوصفه أقل حداثة، أو حين تتسلّل إلى مقاماتٍ عربية خالصة، مثل خطابات عامة أو مناسبات ثقافية، فتفقد اللغة انسجامها. كما يظهر أثرها حين يعجز بعضهم عن إتمام فكرةٍ بسيطة بالعربية دون الاستعانة بألفاظٍ دخيلة، فيتقطّع النسق ويبهت البيان.
وتبقى الموازنة سبيلًا راشدًا؛ إذ يفتح الانفتاح اللغوي أبواب المعرفة، ويمنح الفكر امتداده، في حين تصون العناية بالعربية موقعها بوصفها وعاء الهوية ومرآة الذات. وفي هذا التوازن تنمو اللغة في أفقها، وتبقى الجذور ضاربةً في عمقها، فيتسع الأفق دون أن تضيق الهوية.










































