اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ٧ أيلول ٢٠٢٦
#سواليف
قبل أن ينام الأطفال، يفتح أديب الغلبان خزانة الملابس، يخرج ما سيرتديه مجاهد وقسام في صباحهما الأول بالمدرسة، ويضع إلى جوارهما ملابس وطن الصغيرة. يتفقد الحقائب، ثم يعود بعينيه إلى أطفاله الثلاثة؛ كأنه يحاول أن يتأكد أن كل شيء اكتمل، إلا أمهم.
في السادس من أيلول/سبتمبر، ستفتح المدرسة التركية في قلقيلية أبوابها لمجاهد وقسام، التوأم البالغان ستة أعوام، بينما تتجه شقيقتهما وطن، ذات الأعوام الأربعة، إلى الروضة. سيقف أديب إلى جانبهم في الصباح، يحمل حقائبهم ويطمئن إلى خطواتهم الأولى، فيما ستبقى أمينة الغلبان بعيدة عن المشهد، خلف قضبان الاحتلال، وأمينة لم تكن تحلم بهذا اليوم منذ الأمس، بل انتظرته سنوات.
قبل أن يصبح في البيت ثلاثة أطفال، كان هناك زوجان ينتظران أن يكتمل حلمهما. لكن السجن دخل حياتهما مبكرًا؛ ففي صباح يوم عرس أديب، وبعد ليلة الحنّة، اعتقلته قوات الاحتلال. لم يبدأ يوم زفافه كما تخيله، وانفتح منذ ذلك الوقت باب طويل من الاعتقالات والفراق.
وعلى مدار اعتقالاته المتكررة، أمضى أديب نحو سبع سنوات في سجون الاحتلال على فترات متقطعة. سنواتٌ كان فيها يعود إلى أمينة ثم يغيب عنها من جديد، حتى تأخر حلمهما بالإنجاب أعوامًا، وحين جاء الأطفال، تبدلت تفاصيل البيت.
صارت أمينة أمًا لثلاثة، وصار لكل يوم طقوسه الصغيرة؛ تستيقظ معهم، تجهزهم، تحممهم، تختار ملابسهم، تتابع طعامهم، وترافقهم في تفاصيلهم التي قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة إليها كانت ثمرة سنوات من الانتظار.
ومع اقتراب مجاهد وقسام من المدرسة، بدأت تفكر في ذلك الصباح الذي سيحملان فيه حقائبهما للمرة الأولى. كانت تريد أن تكون هناك، أن تلبسهما، وأن تراهما يخرجان من البيت بخطوات مترددة نحو المدرسة، لكن الاعتقال وصل قبل الموعد ومنذ غيابها، أصبح أديب يتعلم أمومة التفاصيل.
في السادسة والنصف تقريبًا يبدأ صباحه؛ يوقظ الأطفال، يجهزهم، يتابع فطورهم، يعطيهم مصروفهم، ثم يرافقهم إلى الحافلة قبل أن يتوجه إلى عمله قرابة الثامنة. وخلال ساعات العمل، يبقى الأطفال لدى جدتهم التي تساعده في رعايتهم، رغم حاجتها إلى غسيل الكلى. ولم تعد هناك أم تنتظر الحافلة معهم، فصار الأب يفعل ذلك.
ولأن الأطفال لا يعيشون الغياب كما يشرحه الكبار، فإنهم يسألون بطريقتهم. تسأل وطن: «متى ستعود أمي؟». ويسأل مجاهد وقسام عن المدرسة والطعام ومن سيهتم بهما. أما قسام، فيقول أديب إنه الأكثر تعلقًا بأمه؛ يشتاق إليها ويبكي، فيبكي شقيقاه معه.
وحين يحل الليل، لا ينتهي حضور أمينة؛ يتحدثون عنها، ويتذكرون المكان الذي كانت تجلس فيه، والمكان الذي كانت تنام فيه، وتعود صورتها إلى البيت من خلال تفاصيل صغيرة لا يعرف الأطفال كيف يتجاوزونها.
يحاول أديب ألا يترك الحزن يأخذ طفولة أطفاله، يخرج بهم إلى الأرض والبساتين، يصطحبهم إلى الحدائق والمخيمات والرحلات، يتابع دراستهم، يقرأ لهم القصص ويلعب معهم. وحين رفضت وطن الذهاب إلى الروضة من دون إخوتها، قرر أن تبقى قريبة منهما، فالطفلة الصغيرة لم تكن تريد مدرسة جديدة بقدر ما كانت تريد ألا تخسر ما تبقى لها من عائلتها في يوم واحد.
حتى ملابس التوأم تحمل شيئًا من أمهم. يحرص أديب على أن يرتديا أحيانًا الملابس المتشابهة، كما كانت أمينة تفعل. ومن مكانها البعيد، تحاول أمينة أن تبقى قريبة. يقول أديب إنها تسأل عن الأطفال وعن استعداداتهم للمدرسة، وتصلها أخبارهم عبر رسائل تنقلها الأسيرات. تريد أن تعرف ماذا ارتدوا، وكيف أصبحوا، ومتى سيذهبون إلى المدرسة؛ تفاصيل كانت ستعيشها معهم لو لم يحل السجن بينها وبينهم.
ولا يغيب عن أديب القلق على صحتها. يقول إنها كانت تعاني قبل اعتقالها من نقص الحديد وانخفاض الدم ودوالي شديدة في الساقين، وإنه بدأ علاجها وأخذها إلى المستشفى، لكنها لم تستكمل العلاج. وبعد زيارة محاميها الأخيرة، يقول إن حالتها الصحية ازدادت صعوبة، مشيرًا إلى إصابتها بالجرب، إلى جانب الدوخة ومشكلات الدم والدوالي.
ويقول أديب إنه يعرف جيدًا ما يعنيه المرض داخل السجن. فقد عاد هو نفسه من سنوات الأسر بجسد أثقلته الإصابات؛ ضعف في النظر، وآلام في العظام والمفاصل، وإصابات في الصدر والأضلاع، ونقص في الكالسيوم ودوار ونسيان. كما انخفض وزنه من نحو 116 كيلوغرامًا إلى قرابة 58 كيلوغرامًا خلال الأسر، لكن كل ذلك يتراجع حين يتحدث عن أطفاله.
يقول أديب إن وقته أصبح كله لهم، ربما يحاول من خلال ذلك أن يعوضهم عن أم غائبة، وأن يعوض أمينة عن صباح كانت تتمنى أن تعيشه معهم.
وحكاية أمينة ليست وحدها، فوفق إحصائية مؤسسة الضمير في آب/أغسطس 2026، بلغ عدد الأسيرات الفلسطينيات 92 أسيرة، بينهن أمهات يعشن خلف القضبان بعيدًا عن أطفالهن. أمهات لا يشاركن أبناءهن تفاصيل تكبر سريعًا؛ عيد ميلاد، مرض عابر، أول كلمة، أو صباح مدرسي ينتظرنه منذ سنوات.
وفي قلقيلية، سيأتي ذلك الصباح، سيرتدي مجاهد وقسام ملابسهما، وتحمل وطن حقيبتها الصغيرة، وسيأخذهم أديب إلى المدرسة والروضة. سيقف الأب في المكان الذي حلمت أمينة أن تقف فيه، وسيراقب أبناءها وهم يخطون أولى خطواتهم في عامهم الدراسي، أما هي، فستعرف أن أطفالها بدأوا المدرسة من خلف جدار السجن.
ربما ستصلها أخبارهم، وربما تسأل عن تفاصيل صباحهم كما تفعل كل مرة، لكن شيئًا واحدًا لن تستطيع فعله: أن تمد يدها إلى حقائبهم، أو تعدّل ياقة أحدهم، أو تقول لهم قبل أن يغادروا: «عودوا سالمين».
بعد سنوات من انتظار الأطفال، انتظرت أمينة أن تكبر خطواتهم حتى المدرسة. وحين جاء الصباح الذي حلمت به، بقيت هي خلف القضبان، وبقي أطفالها يحملون حقائبهم إلى المدرسة وفي قلوبهم سؤال واحد لا يكبر معهم فقط، بل يكبر كل يوم: متى تعود أمي؟












































