اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - اعتدنا في الخطاب الاقتصادي الأردني أن نبدأ من قائمة النواقص: لا نفط بكميات تجارية كبيرة، مياه محدودة، سوق محلية صغيرة، ومساحة زراعية ليست واسعة، وموقع جغرافي تحيط به الأزمات من أكثر من اتجاه. ومع كثرة تكرار هذه الصورة، ترسخ أحياناً انطباع بأن الأردن بلد فقير بالموارد، وأن أقصى ما يستطيع فعله هو إدارة الندرة وانتظار المساعدات والاستثمارات الخارجية. لكن قراءة مختلفة للمشهد تقول إن المشكلة ليست دائماً في حجم ما نملك، بل في مقدار القيمة التي استطعنا استخراجها مما نملك.
الأردن يمتلك مورداً لا يقل أهمية عن النفط والمعادن، وهو الإنسان. عشرات الآلاف من الأطباء والمهندسين والمبرمجين والمعلمين والمصرفيين والإداريين الأردنيين أثبتوا قدرتهم على المنافسة في أسواق عربية ودولية. هذه الكفاءات لم تظهر فجأة عندما غادرت البلاد، بل تعلمت وتدربت في جزء كبير منها داخل الأردن. وإذا كان الاقتصاد العالمي يدفع مبالغ كبيرة للحصول على العقل الأردني بعد سفره، فإن السؤال الاقتصادي المشروع هو كيف نجعل جزءاً أكبر من هذه القيمة يُنتج من داخل المملكة.
ولا تعني الاستفادة من الإنسان زيادة التوظيف الحكومي، بل العكس تماماً. المطلوب اقتصاد يجعل المهندس قادراً على تصدير تصميمه، والمبرمج على بيع خدمته إلى الخارج، والطبيب على جذب المريض إلى الأردن، والجامعة على استقطاب الطالب الأجنبي، والشركة الاستشارية على تنفيذ المشروع خارج الحدود وهي تعمل من عمّان أو إربد أو العقبة. عندها يصبح الإنسان نفسه صناعة تصديرية، وتصبح المعرفة مورداً اقتصادياً لا يحتاج إلى منجم لاستخراجه.
ولدينا أيضاً موقع جغرافي اعتدنا الحديث عنه بوصفه عبئاً أمنياً وسياسياً، بينما يمكن أن يكون أحد أهم أصولنا الاقتصادية. الأردن يقع بين الخليج والعراق وسوريا وفلسطين، ويمتلك منفذاً بحرياً في العقبة، ويستطيع أن يكون ممراً للتجارة والخدمات والنقل والطاقة وإعادة الإعمار عندما تسمح الظروف الإقليمية. الجغرافيا التي حملت إلينا أزمات كثيرة تستطيع، إذا اكتملت البنية اللوجستية والنقل والسكك والخدمات، أن تحمل إلينا التجارة أيضاً.
أما الاستقرار، فهو ثروة أردنية أخرى لا تظهر في باطن الأرض ولا تدخل عادة في حساب الموارد الطبيعية. في منطقة تعرضت خلال العقود الماضية لحروب وانهيارات واضطرابات كبرى، حافظ الأردن على استمرارية مؤسساته وأمنه ونظامه المالي وحركة اقتصاده. وهذا الاستقرار يجب ألا يبقى إنجازاً سياسياً وأمنياً نعتز به فقط، بل ينبغي تحويله إلى ميزة استثمارية واضحة. المستثمر لا يبحث عن الإعفاء والضريبة فقط؛ يبحث عن دولة يعرف أن مصنعه سيعمل فيها غداً، وأن العقد سيبقى محترماً، وأن مؤسساتها لن تختفي عندما تتوتر المنطقة.
الأردن يمتلك كذلك تاريخاً وآثاراً وطبيعة وتنوعاً جغرافياً أكبر بكثير مما تستثمره السياحة التقليدية. لدينا البتراء ووادي رم والبحر الميت وجرش والعقبة والمغطس والقلاع والمحميات، لكن القيمة الحقيقية للسياحة لا تقاس بعدد من يدخل الموقع الأثري فقط، بل بعدد الليالي التي يقضيها الزائر وحجم إنفاقه وما يشتريه من المجتمع المحلي. السائح الذي يأتي إلى الأردن أربعة أيام ويغادر ليس كالسائح الذي يعيش عشرة أيام بين الطعام الأردني والقرى والمسارات والحرف والتجارب الثقافية والطبيعة.
حتى الصحراء التي تبدو للعين فراغاً جغرافياً يمكن النظر إليها بطريقة مختلفة. مساحات واسعة وشمس معظم أيام العام وموقع قريب من أسواق تحتاج إلى الطاقة تفتح أبواباً للطاقة الشمسية والصناعات المرتبطة بها ومشاريع التخزين والهيدروجين الأخضر ومراكز البيانات وغيرها من الاستخدامات الجديدة للأرض. الثروة ليست دائماً ما نجده تحت الأرض؛ أحياناً تكون ما نستطيع فعله فوقها.
والأمر نفسه ينطبق على الزراعة. الأردن لن ينافس دولاً تمتلك أنهاراً وأراضي شاسعة بإنتاج أكبر كمية ممكنة من المحاصيل، لكنه يستطيع المنافسة في القيمة. في بلد محدود المياه، يجب ألا يكون السؤال فقط كم طناً أنتجنا، بل كم ديناراً من القيمة الاقتصادية حقق كل متر مكعب من المياه. الزراعة الذكية، والمحاصيل عالية القيمة، والتصنيع الغذائي، والتعبئة والتصدير تستطيع أن تجعل الدونم الأردني أكثر إنتاجية حتى لو بقيت مساحته كما هي.
ولدينا المغترب الأردني، وهو ثروة أخرى غالباً ما نختصرها في التحويلات المالية. الأردنيون المنتشرون في الخليج وأوروبا وأميركا وغيرها ليسوا فقط مصادر للحوالات، بل شبكة هائلة من الخبرة والعلاقات والوصول إلى الأسواق. الطبيب الأردني في الخارج يستطيع أن يكون جسراً للقطاع الطبي، والمهندس باباً للشركة الأردنية، ورجل الأعمال قناة للاستثمار، والأكاديمي رابطاً بين الجامعات. المطلوب أن تتحول العلاقة مع المغترب من علاقة مالية إلى شراكة اقتصادية ومعرفية مستمرة.
كما يمتلك الأردن قطاعاً دوائياً وخبرات طبية وتعليمية وتقنية وصناعية يمكن البناء عليها بدلاً من البدء كل مرة من الصفر. الدول الناجحة لا تبحث فقط عن قطاع جديد كلياً، بل تسأل أين لديها تراكم معرفي يمكن مضاعفة قيمته. المصنع الموجود الذي يستطيع مضاعفة صادراته قد يكون أهم من مشروع جديد يحتاج سنوات حتى يبدأ، والشركة الصغيرة القادرة على التحول إلى شركة متوسطة قد تخلق وظائف أكثر استدامة من مشروع يولد ثم يختفي بعد عام.
لكن المشكلة أن امتلاك الموارد لا يعني تلقائياً القدرة على تحويلها إلى ثروة. بين المورد والقيمة توجد الإدارة. وهناك تشريع، وتمويل، وتعليم، وبنية تحتية، وسرعة قرار، وتسويق، وقدرة على الوصول إلى الأسواق. وهنا تحديداً يجب أن ينتقل النقاش الأردني من السؤال التقليدي: ماذا ينقصنا؟ إلى سؤال أكثر إنتاجية: ماذا لدينا ولم نستثمره بعد كما يجب؟
ربما نحتاج أيضاً إلى تغيير مفهوم الاستثمار نفسه. الاستثمار ليس فقط رجل أعمال أجنبياً يأتي بملايين الدنانير ويبني مصنعاً كبيراً. الاستثمار هو أيضاً شاب أردني يمتلك فكرة ويحتاج إلى بيئة تسمح لها بأن تصبح شركة، ومزارع يضاعف قيمة محصوله عبر التصنيع، وجامعة تحول بحثاً علمياً إلى منتج، وبلدية تحول موقعاً مهملاً إلى وجهة، وقرية تبني اقتصاداً حول منتج محلي، وشركة صغيرة تصل إلى سوق خارجية لأول مرة.
وعندما ننظر بهذه الطريقة، نكتشف أن جزءاً من ثروة الأردن موزع في آلاف الأماكن الصغيرة. المشكلة أننا نبحث أحياناً عن المشروع الذي سيغير الاقتصاد دفعة واحدة، بينما الاقتصادات القوية تبنى أيضاً من آلاف الشركات التي تكبر تدريجياً، ومئات المنتجات التي تجد أسواقاً جديدة، وملايين الساعات من العمل التي ترتفع إنتاجيتها عاماً بعد عام.
وهنا يصبح التعليم في قلب القضية. لا تكفي كثرة الجامعات إذا بقيت المعرفة بعيدة عن الاقتصاد، ولا يكفي أن يتخرج الطالب بشهادة إذا لم يمتلك مهارة يستطيع السوق شراءها. كل دينار تنفقه الأسرة والدولة على التعليم يجب أن ننظر إليه باعتباره استثماراً نريد له عائداً، وهذا العائد هو إنسان أكثر إنتاجية وقدرة على الابتكار وصناعة القيمة.
كما أن الإدارة العامة نفسها تستطيع أن تكون مورداً اقتصادياً أو عبئاً عليه. يوم يوفره المستثمر في الترخيص له قيمة، وساعة توفرها معاملة إلكترونية للمواطن لها قيمة، وقرار سريع يتيح لمصنع أن يبدأ الإنتاج قبل موعده له قيمة. الاقتصاد لا يخسر بالمال فقط؛ يخسر أيضاً بالوقت. والدولة التي تجعل الإجراءات أسرع وأكثر وضوحاً تكون قد خفضت كلفة الاستثمار حتى لو لم تخفض ضريبة واحدة.
ولا يعني كل ذلك تجاهل التحديات الحقيقية. الأردن يعاني من شح المياه، ويواجه تحديات في الطاقة والبطالة والدين العام والنمو، ويتأثر بصورة مباشرة بما يحدث في الإقليم. لكن الاعتراف بهذه التحديات يجب ألا يجعلنا نبني هويتنا الاقتصادية حول ما نفتقده فقط. فالدول لا تختار دائماً مواردها، لكنها تختار كيف تستخدمها.
سنغافورة لم تبن تجربتها على وفرة الموارد الطبيعية، ودول أخرى بنت أجزاء كبيرة من قوتها على الموقع أو المعرفة أو الخدمات أو الإنسان. وليس المطلوب استنساخ تجربة أحد، فلكل دولة ظروفها، لكن الدرس واحد: قيمة المورد لا تحددها الطبيعة وحدها، بل تحددها قدرة الدولة على تحويله إلى إنتاج.
والأردن لديه فرصة مهمة في السنوات المقبلة إذا جمع موارده المتفرقة داخل رؤية واحدة. الاستقرار يصبح استثماراً، والموقع يصبح لوجستيات، والشمس تصبح طاقة، والتعليم يصبح خدمة قابلة للتصدير، والكفاءة تصبح شركة، والسياحة تصبح تجربة، والمغترب يصبح شريكاً، والمحافظة تصبح مركز إنتاج لا مجرد منطقة تنتظر مشروعاً من العاصمة.
عندها فقط يتغير معنى الحديث عن الموارد. لن نبقى نعد ما ليس لدينا، بل سنبدأ بحساب قيمة ما أهملنا استثماره.
فالفقر الحقيقي للدول لا يبدأ دائماً عندما تقل مواردها الطبيعية، وإنما عندما تكون لديها موارد ولا تعرف كيف تضاعف قيمتها، أو تمتلك العقول ثم تصدرها، أو تمتلك الموقع ولا تحولّه إلى تجارة، أو تمتلك الاستقرار ولا تجعله استثماراً، أو تمتلك التاريخ ولا تحوله إلى اقتصاد.
الأردن ليس فقيراً.. لكنه لم يستثمر كل ما يملك. والمهمة في المرحلة المقبلة ليست البحث فقط عن ثروة جديدة، بل اكتشاف القيمة الكاملة للثروات التي كانت أمامنا طوال الوقت ولم ننظر إليها باعتبارها ثروة.












































