اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ١٢ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - هناك حقيقة يعرفها الأردني الذي يستيقظ صباحاً في عمّان، ويعرفها السائح الذي يتجول في البتراء، والمستثمر الذي يزور العقبة، ورجل الأعمال الذي يعقد اجتماعاته في البحر الميت:
الأردن مستقر، ومؤسساته تعمل، وحياة الناس مستمرة.
لكن المشكلة أن العالم لا يرى الأردن دائماً من شوارع عمّان أو جبال عجلون أو شواطئ العقبة.
يراه من شاشة الأخبار.
وهناك، قد تظهر صورة مختلفة تماماً.
صاروخ إيراني يعبر الأجواء الأردنية.
حرب على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود.
تصعيد في الضفة الغربية.
مواجهة في الخليج.
ثم تظهر خريطة كبيرة للشرق الأوسط، ويوضع الأردن في منتصفها.
بالنسبة إلينا، نعرف الفروق بين كل هذه الجبهات.
أما السائح في برلين أو المستثمر في باريس أو شركة السياحة في موسكو فقد يرى شيئاً أبسط:
الشرق الأوسط مشتعل... والأردن في الشرق الأوسط.
وهنا تبدأ المشكلة.
الأردن قد يدفع ثمن حرب لا تدور على أرضه
هذه واحدة من أقسى المفارقات التي تواجه المملكة.
قد يكون الفندق آمناً.
والمطار يعمل.
والطرق مفتوحة.
والبتراء تستقبل زوارها.
لكن خبراً عاجلاً واحداً عن تصعيد إقليمي قد يكون كافياً لكي يلغي سائح رحلته.
ليس لأنه يعرف أن الأردن غير آمن.
بل لأنه لا يعرف بما يكفي أنه آمن.
والفرق بين الجملتين هائل.
فالخوف لا يحتاج دائماً إلى حقيقة.
أحياناً يكفي الاحتمال.
وهذا مهم خصوصاً في السياحة، لأن السائح عندما يتردد بين وجهتين، إحداهما تبدو بعيدة عن الحروب والأخرى تقع في إقليم تتصدر أخباره الصواريخ، فقد يختار الأولى حتى لو كانت الثانية آمنة تماماً.
وهكذا يمكن للأردن أن يخسر من حرب لم يبدأها، ولا يشارك فيها، ولا تقع على أرضه.
وكذلك المستثمر
المشكلة لا تتوقف عند السائح.
المستثمر أيضاً يشتري شيئاً لا يظهر في الميزانية:
الاطمئنان.
يمكن أن تقدم له الدولة إعفاءات وحوافز وأرضاً وبنية تحتية وسوقاً واتفاقيات تجارية.
لكن إذا اعتقد مجلس إدارة الشركة أن المنطقة غير مستقرة، فإن قراراً بمئات الملايين قد يتحول ببساطة إلى:
«لننتظر ستة أشهر».
ثم ستة أشهر أخرى.
وهذا تحديداً ما يجعل صورة الدولة جزءاً من اقتصادها.
ولهذا كانت العبارة التي قالها رئيس غرفة تجارة الأردن العين خليل الحاج توفيق في باريس قبل أيام لافتة، عندما دعا المستثمرين إلى زيارة المملكة وعدم السماح لعناوين الأخبار بأن ترسم لهم صورة الأردن.
الفكرة في جوهرها صحيحة جداً:
تعال وشاهد الأردن قبل أن تحكم عليه من خريطة الحرب.
لكن السؤال: هل يكفي أن نقول ذلك في مؤتمر؟
لدينا مشكلة اسمها «الجغرافيا الإعلامية»
الأردن يدفع أحياناً ثمن موقعه مرتين.
المرة الأولى أمنياً واقتصادياً، لأنه يقع في منطقة شديدة الاضطراب.
والمرة الثانية إعلامياً، لأن أحداث الدول المحيطة به تُسقط عليه تلقائياً في ذهن جزء من الجمهور العالمي.
إذا حدث شيء في المنطقة، قد لا يسأل السائح الأجنبي:
كم تبعد الحادثة عن البتراء؟
ولا المستثمر:
هل تأثرت المناطق الصناعية الأردنية؟
ولا منظّم الرحلات:
بل يرى كلمة واحدة:
Middle East.
وهنا يصبح الأردن جزءاً من صورة أكبر منه.
وهذه ليست مشكلة يمكن حلها بإعلان سياحي جميل فقط.
إنها قضية سمعة دولة.
الإعلان السياحي وحده لا يكفي
نحن جيدون في عرض البتراء.
ووادي رم.
والبحر الميت.
وجرش.
وعجلون.
ومادبا.
والعقبة.
لكن عندما تكون المشكلة هي الخوف، فإن صورة جميلة للبتراء لا تجيب عن السؤال الموجود في عقل السائح:
هل أستطيع الذهاب إليها بأمان؟
لذلك يحتاج التسويق الأردني في أوقات الأزمات إلى التحول.
بدلاً من الاكتفاء بالقول:
«زوروا الأردن، لدينا أماكن جميلة».
يجب أن نقول أيضاً:
هذه المطارات تعمل.
وهذه الفنادق تستقبل ضيوفها.
وهذه المواقع السياحية مفتوحة.
وهذه المسافة بين الأردن ومناطق القتال.
وهذه أرقام الزوار.
وهذه حركة الطيران.
وهذه شهادات السياح الموجودين الآن داخل المملكة.
في الأزمات، لا يحتاج العالم إلى شعار فقط.
يحتاج إلى دليل.
لماذا لا نجعل السائح نفسه يروي القصة؟
أفضل شخص يستطيع إقناع سائح أوروبي بأن الأردن آمن قد لا يكون وزير السياحة.
قد يكون سائحاً أوروبياً موجوداً الآن في الأردن.
شخص يصور نفسه في وسط عمّان.
آخر أمام الخزنة في البتراء.
عائلة في وادي رم.
مجموعة في جرش.
ويقولون ببساطة:
نحن هنا.
هذا ما نراه.
وهذه تجربتنا.
في عصر وسائل التواصل، أصبحت تجربة الإنسان العادي أحياناً أكثر إقناعاً من حملة إعلانية بملايين الدنانير.
وهنا يمكن أن يتحول زوار الأردن أنفسهم إلى سفراء للصورة الأردنية.
وماذا عن الإعلام العالمي؟
هنا توجد معركة أخرى.
لا يمكن أن نلوم وسائل الإعلام الدولية لأنها تغطي الصواريخ أو الحرب.
هذا عملها.
لكن يمكن أن نسأل:
هل تصل إليها الرواية الأردنية بالسرعة والكفاءة نفسيهما؟
عندما يحدث تصعيد في المنطقة، هل توجد جهة أردنية تتحرك فوراً نحو المؤسسات الإعلامية الكبرى لتشرح:
ما الذي حدث؟
ما الذي لم يحدث؟
هل الحياة طبيعية؟
هل المطارات تعمل؟
هل المواقع السياحية مفتوحة؟
هل تأثرت الأعمال؟
هناك فرق بين أن تصدر بياناً باللغة الإنجليزية على موقع رسمي وبين أن تجعل المعلومة الأردنية تصل فعلاً إلى الصحفي الذي يكتب القصة في لندن أو نيويورك أو باريس.
الدبلوماسية الحديثة ليست فقط لقاء وزير بوزير.
جزء منها إدارة الصورة.
السفارات يجب أن تكون جزءاً من المعركة الاقتصادية
السفارة الأردنية في أي دولة ليست فقط مكاناً للخدمات القنصلية والعلاقات السياسية.
يمكن أن تكون أيضاً غرفة دفاع عن سمعة الأردن الاقتصادية والسياحية.
عندما تنتشر مخاوف في سوق معين، تتحرك السفارة.
تلتقي شركات السياحة.
تتواصل مع شركات الطيران.
تخاطب غرف التجارة.
تدعو الصحفيين.
تنظم زيارات.
وتقدم المعلومات التي تمنع الخوف العام من الشرق الأوسط من التحول إلى حكم خاطئ على الأردن.
فالسمعة الوطنية لا يجب أن تبقى مسؤولية وزارة السياحة وحدها.
هي مسؤولية الخارجية والسياحة والاستثمار والطيران والقطاع الخاص والفنادق والمطاعم وشركات النقل.
وحتى الأردني في الخارج يستطيع أن يساعد
لدينا جالية أردنية واسعة في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة وغيرها.
ولدينا رجال أعمال وأطباء وأكاديميون ومهندسون وشخصيات ناجحة.
هؤلاء يحملون شيئاً ثميناً:
المصداقية داخل المجتمعات التي يعيشون فيها.
لماذا لا تكون هناك شبكة أردنية حقيقية تستطيع، وقت الأزمات، أن تشرح صورة المملكة؟
ليس عبر منشورات دعائية جاهزة.
بل عبر قصص وتجارب وعلاقات حقيقية.
رجل الأعمال الأردني في دبي يستطيع مخاطبة مستثمر.
الطبيب الأردني في لندن يستطيع الوصول إلى مجتمع مختلف.
والطالب الأردني في ألمانيا يستطيع أن يشرح لأصدقائه أن عمان ليست ساحة حرب لمجرد أن المنطقة تشهد حرباً.
هذه «قوة ناعمة» موجودة لدينا بالفعل، لكنها تحتاج إلى تنظيم.
لكن السمعة لا تُبنى بالكلام وحده
وهذه نقطة أساسية.
لا يمكننا مطالبة العالم بأن يرى الأردن آمناً إذا لم نحافظ نحن على عناصر هذا الأمن.
الصورة الخارجية تبدأ من الداخل.
من الأمن.
ومن سيادة القانون.
ومن نظافة المدينة.
ومن جودة المطار.
ومن معاملة السائح.
ومن سيارة الأجرة.
ومن السعر الذي لا يتغير عندما يكتشف البائع أن الزبون أجنبي.
ومن قدرة المستثمر على إنهاء معاملته.
ومن سرعة حل مشكلته.
ومن عدم تغير القواعد عليه فجأة.
كل سائح يغادر الأردن راضياً هو حملة إعلامية صغيرة.
وكل مستثمر ينجح هنا هو رسالة إلى مستثمر آخر.
والعكس صحيح.
لذلك لا ينبغي أن نفصل بين سمعة الأردن وتجربة الأردن.
هناك فرصة أيضاً داخل الأزمة
المفارقة أن الاضطراب الإقليمي يمكن أن يجعل استقرار الأردن أكثر قيمة، لا أقل.
ففي منطقة تبحث عن مراكز آمنة للأعمال والنقل والخدمات والمؤتمرات والاستثمار، يمكن للأردن أن يقول:
انظروا حولنا.
ثم انظروا إلينا.
الدولة تعمل.
المؤسسات مستمرة.
الحدود محمية.
المطارات تعمل.
القطاع الخاص يعمل.
والحياة مستمرة رغم كل ما يحدث حولنا.
هذه ليست مجرد رسالة سياحية.
إنها ميزة تنافسية.
فالأمن ليس فقط نعمة اجتماعية.
الأمن أصل اقتصادي.
والاستقرار منتج يمكن للدولة أن تبني حوله استثمارات ومؤتمرات ومراكز أعمال وخدمات إقليمية.
نحتاج إلى «غرفة عمليات للسمعة»
لدينا غرف عمليات أمنية عندما تقع أزمة.
لماذا لا تكون لدينا آلية مماثلة لحماية الصورة الاقتصادية للدولة؟
عندما يقع حدث إقليمي كبير، تجتمع فوراً الجهات المعنية.
ما أثره على الحجوزات؟
هل ألغت شركات سياحية رحلات؟
هل تغيرت تحذيرات السفر؟
ماذا تقول شركات الطيران؟
ماذا يسأل المستثمرون؟
ما الرواية المنتشرة في الإعلام الأجنبي؟
ثم تتحرك الدولة خلال ساعات، لا بعد أسابيع.
فالصورة إذا تُركت فارغة سيملؤها الآخرون.
والشائعة إذا سبقت الحقيقة بيوم، قد تحتاج الحقيقة إلى شهر للحاق بها.
ولا نريد أن نقول للعالم إن المنطقة هادئة
لأنها ليست كذلك.
المصداقية أهم من الدعاية.
لا نقول للسائح إن الشرق الأوسط لا يشهد حرباً وهو يراها على الشاشة.
ولا نقول للمستثمر إنه لا توجد مخاطر.
بل نقول شيئاً أكثر قوة:
نعم، نحن في منطقة مضطربة، لكن الأردن أثبت عبر عقود قدرته على الحفاظ على استقراره وسط اضطراباتها.
هذه رسالة أكثر صدقاً.
وأكثر إقناعاً.
فالاستقرار الأردني ليس ناتجاً عن جغرافيا هادئة.
قيمته الحقيقية أنه استمر رغم الجغرافيا الصعبة.
نحن نعرف الأردن.. والعالم يحتاج أن يراه كما نراه
الأردني يعرف أنه يستطيع أن يشرب قهوته في وسط البلد صباحاً، ويذهب إلى البحر الميت ظهراً، ويصل العقبة مساءً.
يعرف أن المدارس والجامعات والمصانع والفنادق والمطارات تعمل.
لكن العالم لا يعيش يومنا العادي.
العالم يرى اليوم الاستثنائي عندما يصبح خبراً.
وهنا تكمن المشكلة.
لا توجد قناة إخبارية عالمية ستضع خبراً عاجلاً يقول:
«ملايين الأردنيين عاشوا يوماً طبيعياً اليوم».
الطبيعي ليس خبراً.
أما الصاروخ فهو خبر.
ولهذا فإن ميزان الصورة منحاز بطبيعته إلى الاستثناء.
وعلينا نحن أن نصححه.
ليس بإخفاء الحقيقة.
ولا بتجميل الواقع.
بل بإظهار الحقيقة كاملة.
نعم، الأردن يقع في قلب إقليم مضطرب.
نعم، يتأثر بما يحدث حوله.
لكن في الوقت نفسه، هو دولة مستقرة، لديها مؤسسات وجيش واقتصاد وقطاع خاص ومجتمع استطاع مراراً أن يحافظ على حياته وسط أصعب أزمات المنطقة.
ولهذا فإن السؤال لم يعد:
هل الأردن آمن؟
نحن نعرف الإجابة.
السؤال الذي يجب أن يشغل الحكومة والقطاع الخاص والدبلوماسية والإعلام هو:
كيف نجعل العالم يعرف ذلك أيضاً؟












































