اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
محمد الحمزة
كرة القدم ليست مجرد جلد منفوخ يتناقله اللاعبون على عشب أخضر، بل هي مرآة عميقة للنفس البشرية، ومسرح واسع تتجسد فيه أسمى معاني الانتماء والولاء الجماعي، لكن هذا العشق الجارف متى غاب عنه الوعي والأخلاق، تحول من طاقة إيجابية بهيجة إلى صراع عبثي، وتؤكد النصوص القانونية للبروتوكولات الرياضية الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأخلاق واللعب النظيف للاتحاد الدولي لكرة القدم 'فيفا'، على أن كرة القدم لعبة وُسّعت لحماية القيم الإنسانية، وليست منبراً للكراهية أو العنصرية أو التنمر.
الانتماء الرياضي يرتكز على ما يُعرف بـ'الهوية الاجتماعية'، فعندما نشجع فريقاً ما فإننا لا نختار نادياً فحسب، بل نصنع جزءاً من هويتنا وننضم إلى عائلة افتراضية واسعة، فالدماغ البشري يتعامل مع انتصار الفريق المفضّل كإنجاز شخصي مفرزاً جرعات عالية من الدوبامين، بينما يتعامل مع الهزيمة كتهديد طفيف للذات، هذا التفسير يوضح حدة التفاعل العاطفي، لكنه لا يبرر أبداً الانزلاق نحو التعصب الأعمى.
تبدأ أخلاقيات التشجيع من الملعب؛ فالتشجيع النموذجي هو فن يقوم على مؤازرة فريقك بكل حماس، مع الحفاظ على الاحترام التام للخصم، حيث يفترض بالمشجع أن يكون سفيراً للرقي، فلا يلقي بما يؤذي، ولا يهتف بما يخدش الحياء العام أو يمس كرامة المنافسين. وخارج أسوار الملعب، في الشوارع والأماكن العامة، يمتد هذا الواجب الأخلاقي ليكون التعبير عن الفوز اتزاناً، وعن الخسارة تقبلاً نبيلاً يعترف بقوة الخصم واستحقاقه.
حين ينتقل المشهد إلى الدوائر الإنسانية الأقرب، بين الأصدقاء المتنافسين، أو حتى بين الأزواج تحت سقف بيت واحد، تختبر الأخلاقيات في أصفى صورها. المداعبة الخفيفة و'المنافسة الشريفة' تزيد العلاقات حيوية، شريطة ألا تحترق جسور المودة على أعتاب نتيجة مباراة. في البيوت التي تجمع زوجين ينتميان لغريمين تقليديين، يفترض أن يكون التشجيع نافذة للبهجة المشتركة؛ فالفوز يحتفى به بروح مرحة، والخسارة تُقابل بالمواساة والدعم العاطفي، مذكّرين أن الحياة الزوجية أثمن بكثير من نقاط مباراة ثلاثية. والصداقة الحقيقية هي التي تنجح في تحويل 'ديربي' كروي حاد إلى سهرة دافئة يعقبها احتساء القهوة بنبرة تصالح وود.
أما في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تذوب الحدود وتتسع مساحات الإفلات من العقاب، تبرز الحاجة الملحة لـ'الأخلاق الرقمية'؛ فمنصات التواصل ليست ساحة حرب إلكترونية، بل فضاء للحوار الراقي، والمبادئ الأخلاقية للتشجيع تفرض على المشجع ألا ينجرف خلف التريندات المسيئة، وألا يساهم في نشر الشائعات أو السخرية المهينة ضد اللاعبين أو الإداريين أو الجماهير المنافسة.
ويتجلى هذا البعد الأخلاقي بأسمى صوره في منافسات المنتخبات الوطنية، حيث يتجاوز التشجيع نطاق الأندية ليصبح مرآةً لشعوب بأكملها. إن احترام السلام الوطني والدول المنافسة وجماهيرها يعكس التحضر والتحالف الإنساني؛ فالرياضة بين الدول أداة لدعم الدبلوماسية الناعمة وترسيخ السلام وتقارب الشعوب، وليست مسرحاً للتنافر أو تأجيج الصراعات السياسية والمجتمعية.
إن ترسيخ هذه القيم بين أفراد المجتمع هو ضرورة لحماية النسيج المجتمعي واستدامة البيئة الرياضية، ومن هنا تبرز الأهمية البالغة لتبني وزارة الرياضة للميثاق الأخلاقي وإطلاقه عبر مبادرات استراتيجية برامجية وثقافية. إن توعية الجماهير بنشر سلوكيات التشجيع المسؤول والتنافس الشريف تسهم مباشرة في بناء جيل رياضي واعٍ ومثقف، يحول الملاعب والمجتمعات إلى بيئات آمنة ومحفزة للجميع.
يقول الفيلسوف وعالم النفس كارل يونغ: 'إن الروابط التي تجمع البشر حول رموز مشتركة يجب أن تكون جسوراً ترتقي بوعيهم الجماعي، لا خنادق تتناحر فيها غرائزهم البدائية'.. لنشجعْ بشغف، ولننتمِ بوعي، ولنجعلْ من كل مباراة ملحمة أخلاقية تحتفي بالإنسان أولاً وأخيراً.










































