اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
في جدة، طُوي سجلّ ضابط ارتبط اسمه بلحظةٍ من أخطر ما مرّ على المسجد الحرام في العصر الحديث، حيث أعلن رحيل اللواء الركن المتقاعد فالح بن محمد الظاهري، أحد القادة الميدانيين في عملية تطهير الحرم من فتنة جهيمان في محرم 1400هـ. وهو رحيل أعاد إلى الواجهة سيرة رجلٍ قاد لواء الملك عبدالعزيز الآلي القادم من تبوك، وعمل ضمن منظومةٍ أمنية وعسكرية أمر بها ولاة الأمر، حتى استُعيد البيت العتيق لطهارته وعبّاده.
نشأة عسكرية مبكرة
وُلد فالح بن محمد الظاهري في مكة المكرمة عام 1358هـ، ونشأ في مدينة أبها بفعل تنقلات والده في المناصب العسكرية، وأكمل دراسته هناك قبل أن يلتحق بالمدرسة العسكرية في الطائف، في مرحلةٍ سابقة على نقلها إلى الرياض وتحويلها إلى كلية.
ومن تلك البوابة دخل سلك القوات المسلحة، وتدرّج في مواقع قيادية حتى صار عند اندلاع الأحداث قائدًا للواء الملك عبدالعزيز الآلي (العشرون) المتمركز في تبوك، وهو اللواء الذي سيُستدعى لاحقًا إلى مكة بأمرٍ مباشر في واحدةٍ من أدق العمليات في تاريخ المملكة.
حين أُسندت إليه مهمة لا تحتمل التردد
في فجر غرة محرم 1400هـ الموافق 20 نوفمبر 1979م، اقتحمت جماعة جهيمان العتيبي المسجد الحرام، وأعلنته مهديًا مزعومًا، ورفعت السلاح في أطهر بقاع الأرض.
ومع تطور المواجهة، أُسندت قيادة العملية العسكرية لاستعادة المسجد إلى العميد آنذاك فالح الظاهري، قائد لواء الملك عبدالعزيز المدرّع، بعد أن طلب منه الأمير نايف بن عبدالعزيز – وزير الداخلية آنذاك – التوجّه إلى مكة بمعدات خاصة من قاعدته في تبوك.
وبعد صدور فتوى هيئة كبار العلماء التي أجازت قتال المسلحين داخل الحرم إن هم أصرّوا بعد دعوتهم إلى الاستسلام، انطلقت القوة المدرّعة بكامل ثقلها. وقد أُذيعت دعوة الاستسلام عبر مكبرات الصوت، فلما رُفضت استُهدفت المآذن لتحييد القنّاصة، وفُتحت ثغرة في ممر الصفا والمروة، وتقدّمت ناقلات الجند من طراز M113.
18 ساعة في القبو
لم تنتهِ المعركة عند استعادة الساحات العليا، إذ انسحب المسلحون إلى شبكة القبو المعقّدة تحت المسجد، حيث تحصّنوا بالطعام والذخيرة في أكثر من 225 غرفة وخلوة متصلة.
وفي شهادةٍ مصوّرة قديمة، شرح الظاهري على الخريطة منطق العملية، قائلًا إن الحرب في مثل تلك الظروف «حرب ضد عصابات»، وإن القيادة أعدّت خطة لاقتحام البدروم مع الحفاظ على أهدافٍ أساسية بينها محاولة القبض على المخربين أحياء.
قسّم الظاهري في شرحه البدروم إلى محورين: باب السلام وباب الصفا، ووزّع مجموعات الاقتحام لتطهير الخلوات غرفةً غرفة، من باب السلام إلى باب زيادة فباب العمرة والشبيكة، ومن المسعى إلى باب الصفا وأجياد.
وقال إن عملية الاقتحام استغرقت 18 ساعة، وإن المسلحين دمّروا كهرباء المنطقة السفلى وأشعلوا الحرائق واتخذوا الدخان ساترًا للقنص، وإنهم «في آخر لحظة قبل القبض عليهم كانوا يسفكون الدماء».
خرج الظاهري من المعركة مصابًا في وجهه، وظهر لاحقًا في لقاءٍ تلفزيوني سعودي مع المذيع حسين نجار وهو لا يزال يحمل أثر الإصابة، يشرح للرأي العام ما جرى في عملية التطهير.
شكر الدولة ومسؤوليات ما بعد الحرم
ولم تُغلق صفحة الظاهري بانتهاء الاشتباك، إذ تداولت الأوساط لاحقًا رسالة شكر وجّهها الأمير سلطان بن عبدالعزيز – وزير الدفاع والطيران آنذاك – إلى اللواء فالح الظاهري تقديرًا لدوره وبلائه في تحرير الحرم.
وبعد الحادثة تولى قيادة المنطقة الشمالية الغربية في تبوك في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، ثم قيادة كلية الملك عبدالعزيز الحربية، فجمع بين الميدان وتأهيل أجيال الضباط.
بيتٌ يورّث الخدمة لا الشعارات
وقد امتد أثر الخدمة في أسرته؛ فشغل ابنه اللواء الركن وليد بن فالح الظاهري مواقع قيادية بارزة، منها قيادة قوات درع الجزيرة ثم قيادة كلية الملك عبدالعزيز الحربية، في امتدادٍ لسيرة الأب بين الثكنة والكلية.
رحل اللواء فالح بن محمد الظاهري وقد ارتبط اسمه بلحظةٍ دافعت فيها الدولة عن قدسية المسجد الحرام بقوة النظام والشرع معًا. ولم يكن رجلًا يُروى عنه في الهوامش، بل قائد لواءٍ وُضع في قلب معركةٍ لا تحتمل الارتجال، فأدّى ما أُمر به، ثم حمل المسؤولية في تبوك وفي الكلية الحربية، وترك في أرشيف الوطن شهادةً بالخرائط والكلمات والإصابة.










































