اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أذار ٢٠٢٦
مكة المكرمة - هاني اللحياني
مع نفحات شهر رمضان المبارك، سيد شهور العام، حيث تتكاثف الأجواء الإيمانية وتغمر الروحانية أرجاء المكان، تتجلى في مكة المكرمة - قبلة العالم الإسلامي - ملامح حراك ثقافي متنوع يجمع بين المعرفة والفكر والأدب والعمل التطوعي، في لوحة إنسانية ثرية تتقاطع فيها الروحانية مع الثقافة.
ويشارك في هذا الحراك طيف واسع من الجهات الحكومية والخاصة والتطوعية، إلى جانب نخبة من المثقفين والمفكرين والإعلاميين، الذين يستثمرون التنوع الإنساني الذي تحمله وفود المعتمرين والزوار من مختلف بقاع الأرض، لتتحول مكة في رمضان إلى فضاء تتلاقى فيه التجارب الثقافية والفكرية في سياق إنساني جامع.
ويعكس هذا النشاط الثقافي والعلمي والتطوعي، الذي يحظى بدعم وتنظيم من منظومة متكاملة من الجهات المعنية، أن العناية بضيوف الرحمن ليست عملاً موسمياً عابراً، بل رسالة إنسانية راسخة في الوجدان السعودي، تعزز مكانة مكة المكرمة مدينةً عالميةً تجمع بين قدسية المكان وحيوية الفكر، وتقدم نموذجاً متفرداً يلتقي فيه العمل الثقافي والمعرفي مع الجهود التطوعية والخدمات المرتبطة بالحج والعمرة. وفي قلب هذا المشهد، ومن أروقة المسجد الحرام، تتجلى أولى ملامح النشاط العلمي والثقافي؛ حيث تنتظم الدروس العلمية والندوات الشرعية والمحاضرات الفكرية، إلى جانب حلقات تحفيظ القرآن الكريم ومجالس الإفتاء واللقاءات العلمية، لتشكل منظومة معرفية نابضة بالحياة تستقطب الزوار وطلاب العلم من مختلف الجنسيات، وتؤكد أن المسجد الحرام ظل عبر العصور مركزاً للإشعاع العلمي والثقافي إلى جانب مكانته الدينية.
وفي هذا السياق، يرى مقدم البرامج الدكتور خضر اللحياني أن الأجواء الروحانية التي تميز أم القرى في شهر رمضان تمثل محفزاً كبيراً للثقافة والمعرفة، مع توافد المهتمين من داخل المملكة وخارجها. ويشير إلى أن التطور الذي شهدته صناعة الثقافة والمعرفة في مكة، بدعم حكومي متواصل واستثمارات متزايدة، أوجد منصات فكرية ملهمة، من أبرزها “مركاز البلد الأمين”، الذي أصبح منصة تجمع النخب وصناع القرار لتبادل الأفكار وبناء الشراكات. ويضيف أن هذه المبادرات أسهمت في رسم ملامح تجربة فكرية وإنسانية نابضة بالحياة، تتجاوز حدود الفعاليات التقليدية لتصنع حواراً وطنياً راقياً يعكس روح مكة ودورها الفكري في مسيرة التنمية الوطنية، كما تنتشر في أرجاء المدينة صالونات أدبية ومجالس ثقافية واجتماعية تجمع المثقفين والأدباء والإعلاميين من دول مختلفة، لتتحول إلى فضاءات للحوار الثقافي المفتوح.
من جانبه، يشير المهتم بالعمل الخيري مبارك دهيكل السلمي إلى أن وجود بيت الله الحرام وما يحمله من مكانة دينية عظيمة، إلى جانب الحشود الكبيرة التي تفد إلى مكة طوال العام، يمنح العمل الخيري في المدينة بعداً إيمانياً عميقاً. ويؤكد أن اجتماع قدسية المكان مع شرف خدمة الحجاج والمعتمرين يجعل من هذه الأعمال إحدى أعظم القربات، الأمر الذي يدفع الأفراد والمؤسسات إلى التنافس في التطوع والبذل. ويضيف أن مكة عرفت عبر تاريخها الطويل ثقافة الرفادة والسقاية وخدمة الحجيج منذ العصور الإسلامية المبكرة، واستمر هذا الإرث الاجتماعي جيلاً بعد جيل حتى أصبح العمل التطوعي جزءاً أصيلاً من هوية المجتمع المكي. كما أسهمت الجهود التنظيمية للجهات المعنية، إلى جانب مبادرات رؤية المملكة 2030 التي عززت ثقافة التطوع ورفعت أعداد المتطوعين، في ترسيخ مكانة مكة مركزاً عالمياً للعمل الخيري المرتبط بخدمة الحجاج والمعتمرين. بدوره يوضح الخبير في الإرشاد السياحي سمير قمصاني أن مكة المكرمة لم تعد وجهة دينية فحسب، بل أصبحت أيضاً وجهة سياحية وثقافية عالمية تشهد حراكاً متواصلاً طوال العام. ويعزو ذلك إلى مكانتها الروحية الفريدة من جهة، وإلى بروز عدد من الوجهات الثقافية والسياحية الحديثة من جهة أخرى، مثل المراكز الثقافية والمتاحف والمعارض والمهرجانات، التي نجحت في استثمار القيمة التاريخية والدينية للمواقع داخل مكة وفي المشاعر المقدسة، مقدمةً تجربة ثقافية وسياحية متكاملة للزوار.










































