اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ أيار ٢٠٢٦
فهد الأحمري
ثمة سر سيكولوجي غريب يسكن وجدان المجتمعات، يتجلى في تلك المقاومة الفطرية لكل ما يبهج النفس، أو ما يمكن وصفه بـ»التوجس من جودة الحياة».. فلو رجعنا بالذاكرة عشر سنوات فقط، وتأملنا مشاعرنا ومخاوفنا تجاه قضايا كانت تبدو وقتها مغامرة مجهولة العواقب -مثل صناعة الترفيه، وفتح المساحات للفنون، والاهتمام برفاهية الفرد كضرورة تنموية، وصولا لفتح الساحة للسياحة وقلب موازين الاستثمار الرياضي بصفقاته المدوية- لوجدنا أن الفكرة قوبلت في مهدها بقلق شديد، وكأن هنالك تيارا خفيا يخشى ذوبان الهوية لمجرد أننا قررنا التصالح مع صناعة الفرح وتحويل الرفاه إلى أسلوب حياة واستثمار سيادي.
هذا التوجس ليس حالة سعودية استثنائية، بل هو طبيعة بشرية تميل إلى المألوف، وتتحوّط من التغيير.. لقد انطلقت تلك المخاوف من فرضية واهمة ظنّت أن جودة الحياة بقطاعاتها الترفيهية والرياضية مجرد قشرة هامشية أو تهديد للموروث.. وفات على الكثير حينها أن الأوطان لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل بـ»هندسة اجتماعية» تعيد ترتيب وجدان الإنسان وترفع كفاءته النفسية والبدنية، ليتكامل شغف الملاعب والمسارح وحيوية الساحات كقوة ناعمة تصنع الإنتاجية وتعمق الانتماء.
اليوم، ونحن ننظر في مرآة وعينا الجمعي، نكتشف كم كان مجتمعنا مرنا وذكيا وعميق الجذور، فالتحول الذي يعبر بنا نحو المستقبل لم يكن مجرد حزمة من القرارات الإدارية والمشروعات، بل كان رحلة نضج لإعادة صياغة الوعي بالأخص.
لقد استرددنا حقّنا الطبيعي في الفرح والبهجة دون أن نلمس ثوابتنا، ومحونا قلق الأمس في مصهر الواقع الملموس؛ فالملاعب والساحات التي كانت تثير الريبة أصبحت حواضن عالمية، وعاصمتنا تحولت إلى قطب كوني يجمع شتات المبدعين من شرق الأرض وغربها، ويصدّر هويتنا الثقافية، ويجبر الكوكب على ضبط ساعته على توقيت إدهاشنا.
لقد تصالحت أجيالنا الحالية مع الغد برؤية واثقة؛ فالذين تخوّفوا بالأمس، هم اليوم شركاء النجاح والحراس الحقيقيون لجودته.. هذه القفزة تثبت أن الرهان على وعي المواطن السعودي هو الرهان الرابح دائما، وأن المخاوف لم تكن سوى غبار مؤقت انقشع أمام شمس الحقيقة التي تؤكد أن الأمة الملهمة هي التي تملك شجاعة الحلم والقدرة على تحويله إلى واقع.
لقد طوينا زمن التساؤل الخائف لنعيش تمكينا واثقا؛ فلم يعد الترفيه المنضبط، أو الانفتاح السياحي، أو الحراك الرياضي ترفا مستوردا، بل أضحت هذه المنظومة رسالة فخر وطنية وعلامة فارقة تثبت للعالم أننا شعب يصنع الفرح، ويصدّره، تماما كما يصنع التاريخ ويوجّهه.
بصيرة:
تتطور المجتمعات حين تُدرك أن جودة الحياة ليست غاية نصل إليها، بل هي البيئة الصالحة التي يولد فيها الإبداع، وتنمو بها الأوطان.










































