اخبار السعودية
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٣ تموز ٢٠٢٦
يوسف حمود - الخليج أونلاين
ناقش وزراء التجارة والصناعة بدول مجلس التعاون في اجتماعهم الاستثنائي إنشاء منظومة خليجية مشتركة للأمن الغذائي والدوائي والمائي واللوجستي
عاد ملف الأمن الغذائي الخليجي إلى الواجهة مجدداً، بعد اجتماع استثنائي عقده وزراء التجارة والصناعة بدول مجلس التعاون، الأحد 28 يونيو 2026، لبحث إنشاء منظومة خليجية مشتركة للأمن الغذائي والدوائي والمائي واللوجستي، وإنشاء مناطق للخزن الاستراتيجي بين دول المجلس.
ويأتي الاجتماع في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وبعد أشهر من اختبار قاسٍ واجهته دول الخليج خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي أعادت التذكير بحساسية الممرات البحرية وعلى رأسها مضيق هرمز، وتأثيرها المباشر على تدفق الغذاء والدواء والسلع الأساسية.
وبحسب ما أعلنته الأمانة العامة لمجلس التعاون، ناقش الوزراء الخطوات التنفيذية لإنشاء منظومة خليجية متكاملة، تشمل الخزن الاستراتيجي، والتنسيق التجاري والصناعي، والمسارات اللوجستية، وآليات الشراء والتخزين المشترك، بما يرفع جاهزية دول المجلس لمواجهة الأزمات ويحد من مخاطر انقطاع السلع الأساسية.
عودة ملف الأمن الغذائي
لا يأتي الاجتماع الخليجي الأخير من فراغ بل في سياق إقليمي ودولي ضاغط، إذ تعتمد دول مجلس التعاون بصورة كبيرة على الواردات الغذائية القادمة من خارج المنطقة.
وتشير تقديرات دولية إلى أن دول الخليج تستورد ما يصل إلى 85% من احتياجاتها الغذائية وهي نسبة تجعل أمن الغذاء مرتبطاً مباشرة باستقرار الموانئ وخطوط الشحن والتأمين البحري وأسعار النقل العالمية.
وخلال الحرب الأخيرة في الخليج، واجهت سلاسل الإمداد اختباراً شديداً مع تعطل الملاحة في عدد من المسارات البحرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما أعاد طرح سؤال الجاهزية الخليجية في حال تعرضت الموانئ أو الممرات البحرية لأي اضطراب طويل.
وقد حذرت شركات شحن عالمية حينها من أن المنطقة تحتاج بصورة ملحة إلى استمرار تدفق الواردات الغذائية، خصوصاً عبر سلاسل التبريد الخاصة بالسلع سريعة التلف.
وتزداد أهمية الملف لأن جزءاً كبيراً من واردات الغذاء في الخليج يمر عبر موانئ ومضائق شديدة الحساسية، فيما تواجه دول مثل الكويت وقطر والبحرين تحديات إضافية في حال تعطل حركة الملاحة في الخليج نظراً لاعتمادها الكبير على الممرات البحرية أو المسارات البرية عبر دول الجوار.
ماذا بحث اجتماع يونيو؟
ناقش وزراء التجارة والصناعة بدول مجلس التعاون في اجتماعهم الاستثنائي إنشاء منظومة خليجية مشتركة للأمن الغذائي والدوائي والمائي واللوجستي، إلى جانب إقامة مناطق للخزن الاستراتيجي.
ويهدف هذا التوجه إلى رفع جاهزية دول المجلس أمام الأزمات الإقليمية والدولية خصوصاً في حال اضطراب سلاسل التوريد أو تعرض خطوط الشحن لمخاطر أمنية.
واستعرضت الأمانة العامة لمجلس التعاون خلال الاجتماع الخطوات التي اتخذتها لتنفيذ المشروع ومن بينها تشكيل لجنة عليا برئاسة الأمين العام، وإنشاء فريق فني متخصص والتواصل مع الدول الأعضاء لجمع البيانات والمعلومات والمرئيات الوطنية التي ستبنى عليها الدراسة الخليجية المشتركة.
كما ناقش الاجتماع خطة العمل المستقبلية والتوصيات التي يمكن أن تدعم التكامل التجاري والصناعي الخليجي، مع التركيز على الحد من مخاطر انقطاع السلع الأساسية وتحقيق وفورات اقتصادية من خلال آليات الشراء والتخزين المشترك خصوصاً في السلع التي تشهد تقلبات في الأسعار أو صعوبات في الإمداد.
ووجه الاجتماع بعقد ورشة عمل لكبار المسؤولين والمختصين في الدول الأعضاء لمراجعة خطة الدراسة واستكمال تزويد الأمانة العامة بالبيانات والمعلومات تمهيداً لعرض النتائج على الاجتماع المقبل، بما يعني أن المشروع انتقل إلى مرحلة إعداد فني ومؤسسي أكثر وضوحاً.
من اقتراح كويتي لمسار خليجي
بدأ ملف شبكة الأمن الغذائي الخليجي بالظهور مبكراً في نقاشات دول المجلس منذ العام 2012، لكنه برز بصورة أوضح خلال جائحة كورونا عام 2020 عندما طرحت الكويت إنشاء شبكة أمن غذائي خليجية موحدة لضمان استمرار تدفق السلع الأساسية في حالات الطوارئ.
وفي أبريل 2020 وافقت دول مجلس التعاون على الاقتراح الكويتي بإنشاء شبكة أمن غذائي خليجية متكاملة، وكلفت الأمانة العامة بإعداد الدراسة الفنية اللازمة، وذلك خلال اجتماع استثنائي لوزراء التجارة عُقد عبر الاتصال المرئي لمتابعة تداعيات الجائحة على الإمدادات الغذائية وسلاسل التوريد.
وكانت تلك المرحلة نقطة تحول في التعامل الخليجي مع الملف، إذ انتقل الأمن الغذائي من كونه قضية وطنية داخل كل دولة إلى ملف إقليمي يتطلب تنسيقاً جماعياً في التخزين والاستيراد والتوزيع وإدارة الأزمات، خصوصاً بعد أن أظهرت الجائحة هشاشة بعض سلاسل الإمداد العالمية.
ومنذ ذلك الوقت، تطور المسار عبر اجتماعات متتابعة للجان الوزارية والفنية، وصولاً إلى الاجتماع الوزاري رقم 37 في الكويت في نوفمبر 2025، ثم اجتماع وكلاء الزراعة والأمن الغذائي في أبريل 2026، وأخيراً اجتماع وزراء التجارة والصناعة في 28 يونيو 2026.
اجتماعي 2025 و2026
في نوفمبر 2025، عقدت اللجنة الوزارية للتعاون الزراعي والأمن الغذائي اجتماعها السابع والثلاثين في الكويت، وناقشت الاستراتيجية الخليجية للأمن الغذائي إضافة إلى ملفات مرتبطة ببنك الأصول الوراثية النباتية وبرامج التعاون البحثي والزراعي، وشهد الاجتماع استعراض الوضع الراهن للأمن الغذائي في دول المجلس والمقارنات المعيارية للتعاون الإقليمي.
كما تناول الاجتماع تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات في ملف الأمن الغذائي الخليجي، كمؤشر على دول المجلس لم تعد تتعامل مع الملف باعتباره مخزوناً من السلع فقط، بل كمنظومة تشمل الإنتاج والاستيراد، والخزن والنقل والقياس والاستجابة السريعة.
وفي 8 أبريل 2026 عقد وكلاء الوزارات المعنية بالزراعة والأمن الغذائي اجتماعاً استثنائياً عبر الاتصال المرئي، بمشاركة الأمانة العامة وهيئة الاتحاد الجمركي، وناقش الاجتماع تطورات المخزون الغذائي الاستراتيجي، وضمان انسيابية سلاسل الإمداد، وتسهيل حركة التبادل التجاري مع الدول المصدرة والمستوردة.
وأكد الاجتماع حينه أن مؤشرات المخزون الغذائي الاستراتيجي في دول المجلس مطمئنة وتغطي احتياجات الدول الأعضاء بكميات كافية ولفترات طويلة، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة مواصلة تنفيذ مبادرات استراتيجية الأمن الغذائي التي أقرت في اجتماع اللجنة الوزارية رقم 37، بما يعزز الجاهزية والاستدامة.
حجم التحدي
تعتمد دول مجلس التعاون على الخارج في تأمين النسبة الأكبر من غذائها، إذ تشير تقديرات دولية إلى أن واردات الغذاء تمثل نحو 85% من احتياجات دول المجلس.
كما تقدر بعض الدراسات أن الاعتماد يصل إلى نحو 90% في الحبوب و100% في الأرز ونحو 60% في اللحوم، وهي أرقام تكشف أن الأمن الغذائي الخليجي مرتبط بالأسواق العالمية بقدر ارتباطه بالإنتاج المحلي.
وتعكس تجربة قطر في ميناء حمد نموذجاً عملياً للبنية التي تحتاجها المنظومة الخليجية، إذ يضم مشروع مرافق ومخازن الأمن الغذائي مساحة تزيد على 530 ألف متر مربع بطاقة تخزينية تبلغ نحو 300 ألف طن متري، ويشمل 51 صومعة ومرافق لمعالجة الأرز والسكر والزيوت النباتية.
وفي الجانب اللوجستي، كشفت اضطرابات الشحن خلال الحرب الأخيرة أن كلفة التعطل لا تقتصر على تأخر السلع فقط، بل تشمل ارتفاع التأمين وزيادة أسعار الوقود ورسوم التخزين وتكاليف تحويل المسارات، فيما تحدثت شركات شحن عالمية عن كلفة أسبوعية إضافية بعشرات الملايين من الدولارات نتيجة اضطراب خطوط النقل في المنطقة.
وتتعامل دول مجلس التعاون مع هذا الملف من خلال أكثر من مسار، بينها الاستثمار في الزراعة الخارجية وتطوير الموانئ والمخازن وتشجيع الإنتاج المحلي في بعض السلع، وبناء شراكات مع منظمات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة إلى جانب تطوير مؤشرات قياس ورصد للمخزون وسلاسل الإمداد.










































