اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
يبدأ الغموض عادة من غرفة إنعاش باردة. قلب توقف، وأجهزة تراقب آخر الإشارات، وفريق طبي يحاول إعادة النبض. ثم يعود المريض، وبعد أن يستعيد وعيه، يروي شيئًا لا يشبه الذكريات العادية: شعورًا بالسلام، ضوءًا قويًا، إحساسًا بالخروج من الجسد، أو رؤية المشهد من أعلى.
هنا لا يتعامل العلم مع القصة كخرافة جاهزة ولا كحقيقة مكتملة؛ يتعامل معها كظاهرة عصبية ونفسية وإنسانية تحتاج إلى قياس.
الاقتراب من الموت.. تجربة قابلة للدراسة
تجارب الاقتراب من الموت، أو Near-Death Experiences، تُوصف في الأدبيات العلمية بأنها تجارب قد تقع خلال خطر يهدد الحياة، خصوصًا عند توقف القلب ثم نجاح الإنعاش.
مراجعة علمية منشورة عام 2024 في Discover Mental Health، متاحة عبر PubMed Central، راجعت شهادات الناجين من توقف القلب، ووجدت أن نسب الإبلاغ عن هذه التجارب تراوحت بين 6.3% و39.3%، مع اختلاف واسع يرتبط بتعريف التجربة وطريقة سؤال الناجين.
ولأن المصطلح الشعبي «تجربة الاقتراب من الموت» اتسع أحيانًا ليشمل حالات لا ترتبط فعليًا بالموت أو توقف القلب، دعا باحثون في بيان معايير منشور عام 2022 إلى استخدام مصطلح أكثر ضبطًا هو «التجارب المستعادة المرتبطة بالموت».
الهدف من هذا الضبط ليس تجريد التجربة من معناها، وإنما إخضاعها للبحث بطريقة تقلل الخلط بين توقف القلب، والغيبوبة، والهذيان، والأحلام، والوعي أثناء الإنعاش.
لغة تجربة الاقتراب من الموت
ما لفت الباحثين أن الروايات تتكرر في خطوط عامة رغم اختلاف الأشخاص. ففي الدراسات التي استخدمت مقاييس متخصصة، ظهرت مشاعر السلام، الإحساس بالضوء، الوعي البصري أو السمعي من خارج الجسد، ولقاء أقارب متوفين من بين السمات التي يسجلها بعض الناجين.
غير أن المراجعة العلمية نفسها تنبه إلى نقطة مهمة: اللغة المستخدمة في وصف التجارب قد تتأثر أحيانًا بلغة المقياس أو الاستبيان الذي يملؤه الناجون، لا باللغة الأصلية التي يختارونها هم وحدهم.
وتاريخيًا، أعطت دراسة هولندية شهيرة منشورة في The Lancet عام 2001 وزنًا كبيرًا للملف، لأنها تابعت 344 ناجيًا من توقف القلب في عشرة مستشفيات، ووجدت أن 62 مريضًا، أي 18%، أبلغوا عن تجربة اقتراب من الموت.
تلك النسبة لا تقول إن التجربة تحدث للجميع، لكنها أخرجت الظاهرة من مساحة الحكايات الفردية إلى نطاق البحث السريري المنظم.
دماغ لا يصمت
الجزء الأكثر إثارة يأتي من الدماغ نفسه.
كان التصور الشائع أن الدماغ يصبح خامدًا بسرعة مع توقف القلب ونقص الأكسجين، لكن دراسات حديثة بدأت ترصد ومضات نشاط عصبي في لحظات حرجة.
وفي دراسة منشورة عام 2023 في PNAS، حلل باحثون تخطيط الدماغ والقلب لأربعة مرضى في غيبوبة عند سحب الدعم التنفسي بموافقة أسرهم، فظهر لدى مريضين من الأربعة ارتفاع سريع وواضح في نشاط موجات غاما واتصال وظيفي في مناطق خلفية توصف أحيانًا بأنها «منطقة ساخنة» لمعالجة الوعي.
هذه النتيجة مغرية، لكنها تحتاج إلى حذر؛ فالعينة كانت صغيرة جدًا، والمرضى لم ينجوا ليصفوا ما شعروا به، لذلك لا تستطيع الدراسة ربط النشاط الدماغي مباشرة بتجربة واعية محددة. وقيمتها العلمية أنها تقول شيئًا أكثر تواضعًا وأهمية: الدماغ المحتضر قد يبقى قادرًا على إنتاج نشاط منظم في لحظات لم تكن مفهومة جيدًا.
أثناء الإنعاش
وتضيف دراسة AWARE-II، المنشورة عام 2023 في مجلة Resuscitation، طبقة أخرى من التعقيد. وقد ميّزت هذه الدراسة بين فئات متعددة من الخبرات لدى الناجين، منها الوعي أثناء الإنعاش، والوعي بعد الخروج من الغيبوبة، وخبرات شبيهة بالأحلام، وتجارب مستعادة مرتبطة بالموت. هذا التفريق مهم لأن كل ذكرى بعد توقف القلب لا تنتمي بالضرورة إلى الفئة نفسها.
كما أشارت مراجعة علمية في 2024 إلى أن AWARE-II رصدت مؤشرات تخطيط دماغ وواسمات حيوية مرتبطة بالوعي خلال توقف القلب أو الإنعاش القلبي الرئوي.
وهنا تظهر صعوبة البحث: الطبيب يرى جسدًا غير مستجيب، والجهاز قد يلتقط نشاطًا كهربائيًا، والمريض ربما يتذكر شيئًا لاحقًا. الربط بين هذه المستويات الثلاثة هو التحدي العلمي الحقيقي.
حدود المعرفة
رغم كل ذلك، لا يقدم العلم حتى الآن حكمًا نهائيًا على طبيعة هذه التجارب.
هناك فرضيات عصبية تتحدث عن نقص الأكسجين، اضطراب كيمياء الدماغ، موجات غاما، الذاكرة، أو حالات وعي منفصلة عن البيئة الخارجية. وهناك شهادات بشرية تحمل أثرًا عاطفيًا عميقًا على أصحابها. وبين المختبر والذاكرة، تبقى المسافة واسعة بما يكفي لتمنع الجزم وتبرر البحث.
والأثر اللاحق لا يقل أهمية عن التجربة نفسها.
بعض الدراسات وجدت أن من مروا بهذه التجارب يصفون تغييرات طويلة في نظرتهم إلى الحياة والموت، مثل ارتفاع التقدير للحياة، وتراجع الخوف من الموت، وتغيرات في العلاقات والمعنى الشخصي. هذه الآثار لا تثبت ما حدث خلال توقف القلب، لكنها تجعل التجربة مهمة نفسيًا وطبيًا، خصوصًا في رعاية الناجين من الإنعاش.
المعنى الطبي لتجارب الاقتراب من الموت
وبالنسبة للطب، قيمة هذا الملف لا تكمن في إثبات ما وراء الموت. قيمته الأقرب أن يساعد الأطباء على فهم ما قد يعيشه بعض المرضى أثناء الإنعاش وبعده، وأن يمنح الناجين لغة آمنة للحديث عن تجربة قد يخجلون من روايتها خوفًا من السخرية أو الوصم. فالتعامل مع الذاكرة بعد توقف القلب جزء من التعافي، مثل متابعة القلب والدماغ تمامًا.
وقد انتقلت تجربة الاقتراب من الموت من هامش الحكايات الغريبة إلى قلب أسئلة الإنعاش والوعي. لا توجد إجابة نهائية حتى الآن، لكن هناك حقيقة أصبحت أكثر وضوحًا: لحظة العودة من حافة الموت ليست حدثًا طبيًا فقط. إنها أيضًا نافذة نادرة على آخر مناطق الغموض في الدماغ البشري.










































