اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
عمان - السوسنة - هارون الضامن - تتداخل التغطيات الإخبارية العاجلة وتنبيهات الهواتف الذكية لتصنع حالة غير مسبوقة من الإرهاق النفسي الممتد، حيث يجد الفرد نفسه محاصرا بفيضان لا يتوقف من التطورات المتسارعة، والتحليلات العسكرية، والمخاوف بشأن المستقبل الإقليمي والإنساني.
وفي قلب هذا الضجيج اليومي والترقب المستمر لما ستؤول إليه الأحداث، تفرض مشهديات العمارة الإسلامية نفسها بقوة؛ إذ تقف المآذن الشامخة وقباب المساجد المكتسية بألوان الشفق عند الغروب كفاصل بصري ونفسي يعيد التوازن لعقل أجهدته المتابعة.
ضغوط الشاشات والهروب إلى السكينة
تتحول الشاشات في أوقات الأزمات والنزاعات إلى مصدر دائم للتنشيط العصبي والقلق الفردي، ما يُعرف بظاهرة 'التصفح الكارثي'؛ حيث يستغرق الإنسان في متابعة الأخبار المأساوية بحثاً عن إجابات، فلا يحصد سوى المزيد من التوتر والإنهاك النفسي.
هنا تخرج أروقة المساجد ومصلياتها عن دورها التقليدي كمجرد دور لأداء الشعائر والصلوات الخمس، لتتحول إلى 'مساحات آمنة' ووسيلة اقتطاع حقيقية مع العالم الخارجي.
إن الدخول إلى هذه المساحات المفتوحة المتميزة بسكونها وهدوء إضاءتها يتطلب تلقائياً وضع الهواتف جانباً وقطع الصلة مؤقتاً مع الإشاعات والتحليلات.
ويوفر هذا الانقطاع القسري والمستحب في آن واحد فرصة حقيقية للجهاز العصبي لالتقاط الأنفاس، واستعادة ألق التفكير المتأنّي بعيداً عن صخب منصات التواصل الاجتماعي.
التضامن الاجتماعي والصمود الجمعي
لا يقتصر تأثير التواجد في هذه الأماكن على الجانب الفردي والوجداني فحسب، بل يمتد ليشكل ركيزة أساسية للصمود الجمعي والتماسك المجتمعي.
ففي أوقات المحن والأزمات، يصبح الخوف الفردي عبئا ثقيلا، غير أن التقاء الناس في هذا الفضاء الروحي الأليف، وتقاسمهم لحظات الدعاء والرجاء بالسلام والاستقرار للشعوب المتضررة، يخلق شعوراً عميقاً بالتضامن الإنساني ورفع المعنويات.
إن الرصيد العاطفي الذي يحصله الفرد من شعوره بأنه ليس وحده في هذه المواجهة، بل يعيش ضمن نسيج مجتمعي يشاركه الهموم والتطلعات ذاتها، يلعب دوراً جوهرياً في امتصاص الصدمات النفسية وتخفيف حدة القلق الشامل.
المعالم كرموز للتاريخ والحتمية التاريخية
من زاوية أخرى، فإن بقاء هذه المعالم المبنية وشواريخها قائمة وقوية عبر عقود وقرون شابتها حروب وتقلبات وأزمات عديدة، يرسخ لدى المتابع حقيقة تاريخية مهمة:
هي أن الأزمات مهما بلغت حدتها وقسوتها تظل مراحل طارئة ومؤقتة في مسيرة الشعوب، في حين تبقى القواعد العميقة للهوية، والتضامن، والقيم الإنسانية هي الثابت الوحيد.












































