اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
صناعة الضحك هي إعطاء جرعة من الطاقة تعمل على التخلص من الطاقة الزائدة في الجسد مما ينتج عنه السرور والانبساط.. وكلمة الانبساط هنا نجدها دارجة عند العامة من الناس حين الضحك أو السرور، ويرجع أصل هذه الكلمة إلى انبساط العضلات والتخلص من التوتر الزائد عن طريق شحنة مضافة من هذا التوتر، فنجدهم يقولون 'نضحك وننبسط'..
قد يعتقد البعض أن كتابة فن الكوميديا وصناعة الضحك أمر يسير، وهو ما يكتنف ذلك الاستسهال والتهريج في بعض الأعمال التي نراها اليوم، على أنها نوع من أنواع الكوميديا.
فإذا كانت الكتابة المسرحية من أصعب أنواع الخلق والابتكار، فإن الكوميديا تبلغ ذروة هذه الصعوبة وهذا العناء. ومن الغريب في فنون هذه الصناعة أننا نجد جذورها عند الفلاسفة العرب.
وقد تعرض الكثير من المنظرين والعلماء والفلاسفة لصناعة الضحك؛ ومنهم على سبيل المثال جان كوهن في كتابه 'الهزلي والشعر'، وقد احتوت نظريته على وجهة نظر فلسفية حيث كانت السخرية تتأرجح بين الجد والهزل في نظرتها للعالم غير أنها تعتمد على الضحك والسخرية عن طريق التعامل مع الوجدان.
وإذا نظرنا عن قرب لنظرية جان كوهن هذه 'الهزلي والشعر' سنجد أن جذورها تمتد في الأدب العربي القديم، كما أسلفنا، حيث برع العرب في الاستعارات والتكنية والمجاز وغير ذلك من الأساليب المستعارة، فقد قدم لنا الجاحظ وابن قدامة وغيرهم كثيرا من الأدب الساخر المستعار غزير الرموز والدلالات لما يفرضه واقعهم السلطوي والرقابي على إنتاجهم.
إلا أن جان كوهن يتناول المفارقة -وهذا ما يهمنا في هذا المقام كونها تعتبر دعامة مهمة من دعائم المسرح- فيخرجها من نطاقها الحر المتفق عليه بين المبدعين المسرحيين في كونها 'أنت تعلم وأنا أعلم وهو لا يعلم'، أي أنه نوع من الجهل يعتري بعض الشخصيات والمعرفة تتوج هامات البعض الآخر من الشخصيات مع علم المتلقي أيضاً بجانب من الحقيقة، فإذا تم التعرف والمعرفة للشخصيات الجاهلة بالحقيقة 'الاكتشاف' ينتهي الحدث المسرحي.
إلا أن جان كوهن يرى 'أن القوة العصبية المتراكمة تراكما كميا على أهبة أن تصرف في شكل كمية معادلة من الأفكار والانفعالات الجديدة تحول فجأة عن مسارها العادي، فيقتضي ذلك أن يفرغ هذا التوتر الزائد في اتجاه آخر، وينتج عنه هذا الدفق الصادر عن الأعصاب المحركة نحو مختلف أصناف العضلات، ليحدث مجموع هذه الأفعال الشبيهة بالتشنج المدعوة ضحكـا'.
لقد فُحصت هذه النظرية وكُملت بأعمال جورج ديماس الذي أوضح أن إثارة خفيفة منقولة إلى الجسم بمساعدة تيار كهربائي كفيلة بإحداث تقلص في عضلات الوجه المتآزرة، أي أنها تنتج حركات مناسبة للابتسام والضحك. ويعرف الضحك بكونه ظاهرة إفراغ ناتج عن اختلال مفاجئ في المستويات. هذا التعريف يتفق علنا مع تعريف سبنسر. كما أن تصور فرويد يتبنى من جهته رأي سبنسر حول الطاقة المقتصدة، المدخرة.
ومن هنا يتبع كوهن الجانب العلمي البحت والفسيولوجي في تحريك الوجدانيات، وذلك ما يميز النقد الحديث في اتباع البحث العلمي والتجربة في تحريك قريحة الناقد، فهو يعتمد على الطاقة والطاقة الزائدة، وقد ذهب إلى ذلك إمباقليدس في مقولته تلك التي تفيد أن التلقي هو تلاقي أشعة خفية وغير مرئية.. وقد تطرقنا إلى ذلك من قبل في كتابنا البعد الخامس.
على أي حال فإن كوهن يرد (السرور اللذة، أو الكدر الأسى) إلى الطاقة الجسدية. وهو لا يبتعد كثيرا عن رأي أرسطو حينما قال 'داوني بالتي كانت هي الداء'، أي إعطاء جرعة زائدة من الطاقة لتعمل على التخلص من الطاقة الزائدة في الجسد مما ينتج عنه السرور والانبساط. وكلمة الانبساط هنا نجدها كلمة دارجة عند العامة من الناس حين الضحك أو السرور والتي يرجع أصل هذه الكلمة إلى انبساط العضلات والتخلص من التوتر الزائد عن طريق شحنة مضافة من هذا التوتر. فنجدهم يقولون (نضحك وننبسط).
كما أنه قد فضل استخدام كلمة 'هزلي' بدلا من 'سخرية' لأنه يرى أن كلمة هزلي تشمل جميع أشكال الضحك من لفظ وغير لفظ. ثم إن كوهن يرى اختلاط الكدر بالسرور في آن واحد فيقول 'غير أن الضحك لا يستمر غير لحظة قصيرة، وحالما ينطفئ يجد نفسه من جديد أمام كون عبثي. ولهذا فإن الحزن كما نلاحظ أحيانا كثيرة يتخفى في أعماق الهزلي'.
ولذلك نجد أن منهج العبث الذي ظهر في القرن العشرين نتاج الحنق والسخرية والتهكم على العالم وعدم معقوليته -بعد الحربين العالميتين- قد اتكأ على السخرية والضحك وهو الضحك على العالم وليس الضحك مع العالم، وهو ما كان إحدى الوسائل للتخلص من الآثار النفسية من مخلفات الحروب.
وهذا الرأي الفلسفي نجده يؤكد على أن الضحك والبكاء هما نتاج انفعال، وأن السرور والكدر يكونان في آن واحد نتيجة هذا الانفعال، أي أن البكاء يسبب سعادة، بينما قد نضحك حينما نكون كدرين، وهذان الانفعالان كلاهما يسببان السعادة أو السرور. وقد ربط أرسطو بين الفكاهة وطبيعة الكوميديا والضحك حيث ذكر 'أن هناك بنية خاصة للضحك في الكوميديا، وأن هذه البنية تكون بمنزلة المحصلة لكل من:
أ- أسلوب الكوميديا الخاص، أو طريقة التعبير اللفظية الخاصة بها أو بيانها الخاص.
ب- الأحداث والوقائع العرضية أو الطارئة الموجودة فيها'.
وإذا نظرنا إلى صناعة الضحك ووظيفته -وهو ما يسمى الانبساط وهو كما أسلفنا يعود إلى الانبساط العضلي والعصبي- بعيدا عن التعقيد الأكاديمي، فسنجده في موقف لإحدى جداتنا التي عاشت إلى ما يربو على المئة عام، وحينما سألتها عن سر انبساطها الدائم قالت لي: لا يمكن أن يمر يوم دون أن أضحك.. ثم ذكرت لي على سبيل المثال أنها شعرت في أحد الأيام أنها لم تضحك، فخلعت إزارها، ثم ألقت به على الأرض ثم دعت نساء الجيران وقريباتها، وطلبت منهن رفع الإزار من على الأرض في حين أن من تقوم برفعه ستكافئها بمبلغ من المال. وهنا أقبل النسوة على الإزار في خوف مرة وفي تحد مرة أخرى، ولا يخلو الموقف من الصراخ إذا ما اقتربن منه. ومن هنا حصلت صاحبتنا على قدر كبير من الضحك، ثم تقدمت ورفعت الإزار بيدها فاكتشفن أن لا شيء تحته؛ وتحدث الدهشة.
قد يلخص هذا الموقف من صناعة واستدرار الضحك كل ما ذكره هؤلاء الفلاسفة، كما أنه يؤكد لنا أن الضحك لا يولد إلا من رحم التوتر، وأن التوتر الزائد يخلص الجسم من الطاقة الزائدة فيحدث الانبساط!










































